وكنت أرى أن هذه الصورة الغريبة التي يتراءى فيها هؤلاء الضعفاء من الفتيان العائدين من تلك الديار إلى أوطانهم إنما هي أصباغ مفرغة على أجسامهم إفراغًا لا تلبث أن تطلع عليها شمس المشرق حتى تنصل [1] وتتطاير ذرَّاتها في أجواء السماء، وأن مكان المدينة الغربية من نفوسهم مكان الوجه من المرآة، إذا انحرف عنها زال خياله منها، فلم أشأ أن أفارق ذلك الصديق، ولبسته على علاته [2] وفاء بعهده السابق، ورجاء لغده المنتظرة، محتملًا في سبيل ذلك من حمقه ووسواسه وفساد تصوراته وغرابة أطواره، ما لا طاقة لمثلي باحتمال مثله، حتى جاءني ذات ليلة بداهية [3] الدواهي.. ومصيبة المصائب، فكانت آخر عهدي به.
دخلت عليه فرأيته واجمًا مكتئبًا، فحييته فأومأ إلي بالتحية إيماءً، فسألته ما باله؟ فقال:
ما زلت منذ الليلة من هذه المرأة في عناء لا أعرف السبيل إلى الخلاص منه، ولا أدري مصير أمري فيه.
قلت: وأي امرأة تريد؟
قال: تلك التي يسميها الناس زوجتي، وأسميها الصخرة العاتية [4] في طريق مطالبي وآمالي.
قلت: إنك كثير الآمال يا سيدي، فعن أي آمالك تتحدث؟
قال: ليس لي في الحياة إلا أمل واحد هو أن أغمض عيني ثم أفتحهما فلا أرى برقعًا على وجه امرأة في هذا البلد.
قلت: ذلك ما لا تملكه ولا رأي لك فيه.
(1) تنصل الشيء: يزول خضابه.
(2) على علاته: أي على ما فيه من أحوال.
(3) الداهية: المصيبة العظيمة.
(4) العاتية: القاسية، الصلبة.