فهرس الكتاب

الصفحة 474 من 789

ولكن يمكن أن يكون ناسخًا للنهي في هذه الأحاديث الثلاثة وما في معناها.

والصحيح الذي عليه جمهور العلماء أنه لا نسخ في ذلك كلّه، ولكن اختلفوا في معنى قوله:"لا عدوى"، وأظهر ما قيل في ذلك أنه نفي لما كان يعتقده أهل الجاهلية من أن هذه الأمراض تعدى بطبعها من غير اعتقاد تقدير الله لذلك، ويدل على ذلك قوله:"فمن أعدى الأول"، يشير إلى أن الأوّل إنما جرب بقضاء الله وقدره فكذلك الثاني وما بعده، خرج الإمام أحمد والترمذي من حديث ابن مسعود قال: قام فينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال:"لا يعدى شيء شيئًا" (قالها ثلاثًا) ، فقال أعرابي: يا رسول الله النُّقْبة (1) من الجرب تكون بمشفر البعير أو بذنبه في الإبل العظيمة فتجرب كلّها، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"فما أجرب الأول، لا عدوى ولا هامة ولا صفر، خلق الله كل نفس وكتب حياتها ومصابها ورزقها" (2) .

فأخبر أن ذلك كلّه بقضاء الله وقدره؛ كما دلّ عليه قوله تعالي: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا} (3) ، فأمّا نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن إيراد الممرض، وأمره بالفرار من المجذوم ونهيه عن الدخول إلى موضع الطاعون، فإنه من باب اجتناب الأسباب

(1) النقبة: بضم النون وسكون القاف، قال ابن الأثير: أوّل شيء يظهر من الجرب وجمعها نقب بسكون القاف، لأنها تنقب الجلد أي تخرقه. النهاية لابن الأثير (5/ 101) .

(2) مسند أحمد (1/ 440) ، وسنن الترمذي: كتاب القدر -باب ما جاء لا عدوى ولا هامة ولا صفر (4/ 450) .

وقد سبق حديث أبي هريرة (ص 481) ، وهو بمعناه.

(3) سورة الحديد، آية (22) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت