ودليل هؤلاء أنه جاء في بعض طرق الحديث -كما عند مسلم-: (من حفظها) بدل (من أحصاها) ، وعند البخاري: (لا يحفظها أحد إلا دخل الجنة) .
قال ابن الجوزي:"لما ثبت في بعض طرق الحديث (من حفظها) بدل (أحصاها) اخترنا أن المراد العدُّ، أي: من عدها ليستوفيها حفظًا" (1) .
لكن هذا القول تعقبه بعض العلماء مبينين أن الإحصاء ليس مجرد العد فقط.
قال الأصيلي (2) :"ليس المراد بالإحصاء عدها فقط، لأنه قد يعدها الفاجر، وإنما المراد العمل بها" (3) .
وقال أبو نُعيم (4) :"الإحصاء المذكور في الحديث ليس هو التعداد،"
= الباري (11/ 226) ففيهما نسبة هذا القول للبخاري -رحمه الله-، لكن تعقب هذه النسبة الشيخ عبد الله الغنيمان فقال:"ربما فهم من صنيع البخاري أنه يرى أن إحصاءها هو حفظ ألفاظها، كما فهم ذلك الحافظ ابن حجر، وعندي فيه نظر، وذلك أن عادة البخاري التي سار عليها في كتابه هذا، أنه إذا جاء لفظ في الحديث، وفي القرآن لفظ يوافقه في اللفظ والاشتقاق، أنه يذكره وإن كان لا يوافقه في المعنى، وأمثلة ذلك كثيرة، فهو في قوله:"أحصيناه: حفظناه"يشير إلى قوله تعالى: {وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} " [شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري (1/ 220 - 221) ] .
(1) نقل ذلك عنه ابن حجر في الفتح (11/ 226) .
(2) هو أبو محمد عبد الله بن إبراهيم الأصيلي، نسبة إلى مدينة أصيلة في المغرب، من الأئمة الأعلام، وأحد شيوخ المالكية، له كتاب الدلائل على أمهات المسائل، في الفقه، توفي - رحمه الله- سنة (392) . [انظر: ترتيب المدارك للقاضي عياض (7/ 135) ، ومعجم البلدان (1/ 251) ، والأعلام (4/ 63) ] .
(3) نقل ذلك عنه ابن حجر في الفتح (11/ 226) ، وانظر: (13/ 378) .
(4) هو أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق، الإمام الحافظ المشهور، صاحب كتاب حلية الأولياء، من الأعلام المحدثين، وأكابر الحفاظ، له مصنفات كبيرة مشهورة، كدلائل النبوة، وتاريخ أصبهان، وفضائل الصحابة وغيرها، توفى رحَمه اللهُ سنة ثلاثين وأربعمائة (430) . =