فهرس الكتاب
فالجواب على هذا المقطع الثاني من السؤال الأوَّل، الذي هو عبارةٌ عن نتيجةٍ منطقيةٍ على المقدِّمة السابقة، أنه لَمَّا كانت المقدِّمةُ السابقة -المبنيَّة على حصر الناس في مجتهدٍ ومقلِّدٍ- فاسدةً وباطلةً؛ ف «مَا بُنِيَ عَلَى فَاسِدٍ فَفَاسِدٌ» ، ذلك لأنَّ إغفالَ مرتبة اتِّباع الوحي والعملِ بالدليل الذي لا يُشترط فيه سوى العلم بما يعمل، ولا يتوقَّف ذلك على تحصيل شروط الاجتهاد، إنما هو إغفالٌ لمقتضى توحيد الله والإيمان به، إذ لا نجاة للعبد من عذاب الله إلاَّ بتوحيد المُرسِل بالعبادة والخضوع والذلِّ والإنابة والتوكُّل، وتوحيدِ متابعة الرسول، وذلك بالتسليم له، والانقياد لأمره، وتلقِّي خبره بالقبول والتصديق دون أن نعارضه بخيالٍ باطلٍ، أو نحمِّله شكًّا وشبهةً، أو نقدِّم عليه آراء الرجال، فلا يجوز أن نُحاكِم إلى غيره، ولا نرضى بحكم غيره، كما جاء ذلك في «العقيدة الطحاوية» (3) .
• أمَّا قوله بأنه ليس ثَمَّةَ علماءُ في بلادنا، ولا مَن هم في حكمهم؛ فجوابه من وجوهٍ:
-الوجه الأوَّل: إذا كان يضع مثل هذه التأصيلات المذكورة، ويحكم بمثل هذه الأحكام، فإنه يتناقض مع نفسه، لكون هذه الأمور من اختصاص أهل النظر، وهو مُقِرٌّ على نفسه بالتقليد، ومن كان على شاكلة المقلِّدين فلا سبيل له لوضع التأصيلات واستحكام المناهج، فضلًا عن تمييز العالم من الجاهل، لأنَّ المقلِّد ليس بعالمٍ اتِّفاقًا، فلا يعرف الكاملَ من المجتهدين والناقصَ منهم -كما ذكر ذلك الشوكانيُّ-، وإنما يفعل ذلك من لهم إدراكٌ يعرفون به الكمالَ والنقص.
-الوجه الثاني: قد يخفى على من سبيله التقليد أنَّ الاجتهاد -بالنظر إلى المجتهد من حيث استيعابُه للمسائل أو اقتصاره على بعضها- ينقسم إلى مجتهدٍ مطلقٍ ومجتهدٍ جزئيٍّ.