فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 30

في يوم العيد خرج موكب السلطان يجوس في شوارع القاهرة، والشرطة مصطفّون على جوانب الطريق والسيوف مُصْلتة، والأمراء يقبّلون الأرض بين يدي السلطان هيبة وأبهة -وهذه كانت عادة سيئة موجودة عند الأمراء في ذلك الوقت-، وهنا وقف العز.بن.عبد.السلام وقال: يا أيوب؛ هكذا باسمه مجردًا بلا ألقاب، فالتفت الحاكم ليرى: من الذي يخاطبه باسمه الصريح، بلا مقدمات، ولا ألقاب؟ ثم قال له العزّ: ما حُجَّتُك عند الله - عز وجل - غدًا إن قال لك: ألم أُبَوِّئْكَ ملك مصر، فأبحت الخمور؟ فقال: أويحدث هذا في مصر؟ قال: نعم، في مكان كذا، وكذا، حانة يباع فيها الخمر وغيرها من المنكرات، وأنت تتقلّب في نعمة هذه المملكة؟

فقال: يا سيدي، أنا ما فعلت هذا، إنما هو من عهد أبي. فَهَزَّ العز بن عبد السلام رأسه وقال: إذن أنت من الذين يقولون: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ) [الزخرف:22] ، فقال: لا، أعوذ بالله، وأصدر أمرًا بإبطالها فورًا، ومنع بيع الخمور في مصر (1) .

رجع العز.بن.عبد.السلام - رحمه الله - إلى مجلسه يعلِّم الطلاب، ويدرِّسهم، وكان يعلمهم مواقف البطولة، والشجاعة كما يعلمهم الحلال والحرام، ويعلمهم الغَيْرة على الدين مثل ما يعلمهم الأحكام؛ إذ ما قيمة أن يوجد طالب يحفظ القرآن والصحيحين والسنن، وكتب الفقه والحديث ومع ذلك هو ميت الغيرة على الإسلام، لا يغضب لله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، ولا يَتَمَعَّر وجْهُهُ إذا رأى المنكر، ويَتَطَلَّعُ لمنازل الصِّديقين والشهداء؟ ما قيمة هذا العلم؟

وعندما رجع العز.بن.عبد.السلام إلى مجلس درسه جاءه أحد تلاميذه يقال له:"الباجي"يسأل: كيف الحال؟ قال: بخير والحمد لله. قال: كيف فعلت مع السلطان؟ قال: يا ولدي، رأيت السلطان وهو في أبهة وعظمة، فخشيت أن تكبر عليه نفسه فتؤذيه، فأردت أن أهينها (2) .

(1) نظر: طبقات الشافعية الكبرى (8/211) .

(2) نظر: طبقات الشافعية الكبرى (8/212) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت