لقد كان من أهم جوانب قوة العز.بن.عبد.السلام أنه كان أكبر من المناصب، وأكبر من الوظائف، وأكبر من الأسماء؛ ولذلك ما كان يتطلع إليها أو يستمد قوته منها، إنما يستمد قوته من إيمانه بالله - عز وجل -، ومن وقفته إلى جانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصدع بكلمة الحق، ثم من الأمة التي أعطته ثقتها واتباعها في الحق يصدع به.
ولذا أصبح العز.بن.عبد.السلام في حياتهم وقلوبهم هو تاج الزمان ودُرَّته، وأصبح هو أعظم عالم وداعية وإمام في العالم الإسلامي في وقته؛ فلذلك عزل نفسه عن القضاء؛ إذ كل أمور المسلمين تدخل تحت تصرّف القاضي، وهو لا يحكم فيها إلا بحكم الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -.
ثم قام العزّ بتصرف آخر مشابه، وهو أنه جمع متاعه وأثاث بيته واشترى حمارين، ووضع متاعه على حمار، وأركب زوجته وطفله على الحمار الآخر، ومشى بهذا الموكب البسيط المتواضع يريد أن يخرج من مصر ويرجع إلى بلده الشام.
لكن الأمة كلها خرجت وراء العز.بن.عبد.السلام، حتى ذكر المؤرِّخون أنه خرج وراءه العلماء والصالحون والعباد، والرجال والنساء والأطفال، وحتى الذين لا يؤبه لهم -هكذا تقول الرواية- مثل: النجارين، والصباغين، والكناسين...، وخرج كل أصحاب الحرف والمهن -الشريفة والوضيعة-، الجميع خرجوا وراء العز بن عبد.السلام في موكب مهيب رهيب.
ثم ذهب بعض الناس إلى السلطان وقالوا له: من بقي لك تحكمه إذا خرج العز.بن.عبد.السلام، وخرجت الأمة كلها وراءه؟ ما بقي لك أحد، متى راح هؤلاء ذهب ملكك.
فأسرع الملك الصالح أيوب للعزّ، وركض يدرك هذا الموكب ويسترضيه ويقول له: ارجع ولك ما تريد، قال: لا أرجع أبدًا إلا إذا وافقتني على ما طلبت من بيع هؤلاء المماليك، قال: لك ما تريد، افعل ما تشاء.