الصفحة 1453 من 6525

يا أهل المدينة ، إنه لا تغنى عنكم صحة أبدانكم إذا سقمت قلوبكم ، قد جعل الله لكل شئ سببا ، غالبا عليه لينقاد إليه مطيع أمره ، فجعل القلوب غالبة على الابدان ، فإذا مالت القلوب ميلا كانت الابدان لها تبعا ، وإن القلوب لا تلين لاهلها إلا بصحتها ، ولا يصححها إلا المعرفة بالله ، وقوة النية ونفاذ البصيرة ، ولو استشعرت تقوى الله قلوبكم ، لاستعملت في طاعة الله أبدانكم .

يا أهل المدينة ، داركم دار الهجرة ومثوى الرسول صلى الله عليه وسلم ، لما نبت به داره ، وضاق به قراره ، وآذاه الاعداء وتجهمت له ، فنقله الله إليكم ، بل إلى قوم لعمري لم يكونوا أمثالكم ، متوازرين مع الحق على الباطل ، مختارين الآجل على العاجل ، يصبرون للضراء رجاء ثوابها ، فنصروا الله وجاهدوا في سبيله ، وآزروا (1) رسوله صلى الله عليه وسلم ، واتبعوا النور الذى أنزل معه ، وآثروا الله على أنفسهم ، ولو كان بهم خصاصة فقال الله تعالى لهم ولامثالهم ، ولمن اهتدى بهديهم: (ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون) .

وأنتم أبناؤهم ومن بقى من خلفهم ، تتركون أن تقتدوا بهم ، أو تأخذوا بسنتهم ، عمى القلوب صم الآذان ، اتبعتم الهوى فأرداكم عن الهدى ، واسهاكم (2 عن مواعظ القرآن ، لا تزجركم 2) فتنزجرون ، ولا تعظكم فتتعظون ، ولا توقظكم فتستيقظون ، لبئس الخلف أنتم من قوم مضوا قبلكم ! ما سرتم سيرتهم ، ولا حفظتم وصيتهم ، ولا احتذيتم مثالهم ، لو شقت عنهم قبورهم فعرضت عليهم أعمالكم لعجبوا كيف صرف العذاب عنكم ! ألا ترون إلى خلافة الله ، وإمامة المسلمين كيف أضيعت ، حتى تداولها بنو مروان ، أهل بيت اللعنة ، وطرداء رسول الله ، وقوم [ من ] (3) الطلقاء ، ليسوا من المهاجرين ولا الانصار ولا التابعين بإحسان ! فأكلوا مال الله أكلا ، وتلعبوا بدين الله لعبا ، واتخذوا عباد الله عبيدا ، يورث الاكبر منهم ذلك الاصغر ، فيالها

(1) الاغانى: (وآووا) .

(2 - 2) الاغانى: (وأسهاكم ، فلا مواعظ القرآن تزجركم) .

(3) من ج .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت