فهرس الكتاب
أما قوله تعالى: (وعصى آدم ربه) فإن المعصية مخالفة للامر (1) ، والامر من الحكيم تعالى قد يكون بالواجب وبالندب معا ، فلا يمتنع على هذا أن يكون آدم مندوبا إلى ترك التناول من الشجرة ، فيكون بمواقعتها تاركا فضلا ونفلا ، وغير فاعل قبيحا ، وليس يمتنع أن يسمى تارك النفل عاصيا ، كما يسمى بذلك تارك الواجب فإن تسمية من خالف ما أمر به سواء كان واجبا أو نفلا بأنه عاص ظاهر ، ولهذا يقولون: أمرت فلانا بكذا وكذا من الخير فعصاني وخالفني ، وإن لم يكن ما أمر به واجبا (2) .
يقال له الكلام على هذا التأويل من وجوه: أولها أن ألفاظ الشرع يجب أن تحمل على حقائقها اللغوية ما لم يكن لها حقائق شرعية ، فإذا كان لها حقائق شرعية وجب أن تحمل على عرف الشرع واصطلاحه ، كالصلاة والحج والنفاق والكفر ، ونحو ذلك من الالفاظ الشرعية ، وهكذا قال السيد المرتضى رحمه الله تعالى في كتابه في أصول الفقه المعروف"بالذريعة"في باب كون الامر للوجوب وهو الحق الذى لا مندوحة عنه .
وإذا كان لفظ العصيان في الاصطلاح الشرعي موضوعا لمخالفة الامر الايجابي لم يجز العدول عنه وحمله على مخالفة الندب .
ومعلوم أن لفظ العصيان في العرف الشرعي لا يطلق إلا على مخالفة الامر المقتضى للوجوب ، فالقول بجواز حملها على مخالفة الامر الندبى قول تبطله وتدفعه تلك القاعدة المقررة التى ثبتت بالاتفاق وبالدليل .
على أننا قبل أن نجيب بهذا الوجه نمنع أصلا أنه يجوز أن يقال لتارك النفل: إنه عاص لا في أصل اللغة ، ولا في العرف ، ولا في الشرع ، وذلك لان حقيقة النفل هو ما يقال فيه للمكلف: الاولى أن تفعل هذا ، ولك ألا تفعله ، ومعلوم أن
(1) العبارة في كتاب تنزيه الانبياء بعد ذكر الآية ...
قالوا: وهذا تصريح بوقوع المعصية التى لا تكون إلا قبيحة ، وأكده بقوله"فغوى"وألغى ضد الرشد .
الجواب: يقال لهم .
أما المعصية ...
(2) تنزيه الانبياء .