الصفحة 2304 من 6525

صرت بين الورى غريبا كما أنك تحت الثرى وحيد غريب فإن قلت: ما وجه تقسيمه عليه السلام الامور التى عددها إلى الفناء والعناء ، والغير والعبر ؟ قلت: لقد أصاب الثغرة وطبق المفصل ، أ لا تراه ذكر في الفناء رمى الدهر الانسان عن قوس الردى ، وفي العناء جمع ما لا يأكل ، وبناء ما لا يسكن ، وفي الغير الفقر بعد الغنى والغنى بعد الفقر ، وفي العبر اقتطاع الاجل الامل ، فقد ناط بكل لفظة ما يناسبها .

وقد نظر بعض الشعراء إلى قوله عليه السلام:"ليس شئ بشر من الشر إلا عقابه ، وليس شئ بخير من الخير إلا ثوابه"فقال: خير البضائع للانسان مكرمة تنمى وتزكو إذا بارت بضائعه فالخير خير ، وخير منه فاعله والشر شر ، وشر منه صانعه إلا أن أمير المؤمنين عليه السلام استثنى العقاب والثواب ، والشاعر جعل مكانهما فاعل الخير والشر .

ثم ذكر أن كل شئ من أمور الدنيا المرغبة والمرهبة ، سماعه أعظم من عيانه ، والآخرة بالعكس ، وهذا حق ، أما القضية الاولى فظاهرة ، وقد قال القائل: أهتز عند تمنى وصلها طربا ورب أمنية أحلى من الظفر ولهذا يحرص الواحد منا على الامر ، فإذا بلغه برد وفتر ، ولم يجده كما كان يظن في اللذة .

ويوصف لنا البلد البعيد عنا ، بالخصب والامن والعدل ، وسماح أهله ، وحسن نسائه ، وظرف رجاله ، فإذا سافرنا إليه لم نجده كما وصف ، بل ربما وجدنا القليل من ذلك ، ويوصف لنا الانسان الفاضل بالعلم بفنون من الآداب والحكم ، ويبالغ الواصفون في ذلك .

فإذا اختبرناه وجدناه دون ما وصف ، وكذلك قد يخاف الانسان حبسا أو ضربا أو نحوهما فإذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت