الصفحة 2609 من 6525

والله إنى لارى حقا يطفأ وباطلا يحيا ، وصادقا مكذبا ، وأثره بغير تقى ، وصالحا مستأثرا عليه .

قال حبيب بن مسلمة الفهرى لمعاوية: إن أبا ذر لمفسد عليكم الشام ، فتدارك أهله إن كان لك فيه حاجة .

* * * وروى شيخنا أبو عثمان الجاحظ في كتاب"السفيانية"عن جلام بن جندل الغفاري ، قال: كنت غلاما لمعاوية على قنسرين والعواصم ، في خلافة عثمان ، فجئت إليه يوما اسأله عن حال عملي ، إذ سمعت صارخا على باب داره يقول: أتتكم القطار بحمل النار اللهم العن الامرين بالمعروف ، التاركين له .

اللهم العن الناهين عن المنكر المرتكبين له .

فازبأر معاوية وتغير لونه وقال: يا جلام أتعرف الصارخ ؟ فقلت: اللهم لا .

قال: من عذيري من جندب بن جنادة ! يأتينا كل يوم فيصرخ على باب قصرنا بما سمعت ! ثم قال: أدخلوه على ، فجئ بأبى ذر بين قوم يقودونه ، حتى وقف بين يديه ، فقال له معاوية: يا عدو الله وعدو رسوله ! تأتينا في كل يوم فتصنع ما تصنع ! أما إنى لو كنت قاتل رجل من أصحاب محمد من غير إذن أمير المؤمنين عثمان لقتلتك ، ولكني أستاذن فيك .

قال جلام: وكنت أحب أن أرى أبا ذر ، لانه رجل من قومي ، فالتفت إليه فإذا رجل أسمر ضرب (1) من الرجال ، خفيف العارضين ، في ظهره جنأ (2) ، فأقبل على معاوية وقال: ما أنا بعدو لله ولا لرسوله ، بل أنت وأبوك عدوان لله ولرسوله ، أظهرتما الاسلام وأبطنتما الكفر ، ولقد لعنك رسول الله صلى الله عليه ، ودعا عليك مرات ألا تشبع .

سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله ، يقول:"إذا ولى الامة الاعين الواسع البلعوم ، الذى يأكل ولا يشبع ، فلتأخذ الامة حذرها منه".

فقال معاوية: ما أنا ذاك

(1) الضرب: الخفيف اللحم .

(2) يقال جنئ ، جنأ إذا أشرف كاهله على ظهره حدبا (*) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت