الصفحة 2651 من 6525

تستقبلون في هذا الزى ! وإنما شبعتم منذ سنتين ، سرع ما ترت بكم (1) البطنة وتالله لو فعلتموها على رأس المائتين ، لاستبدلت بكم غيركم ! فقالوا: يا أمير المؤمنين ، إنما هي يلامقة ، وتحتها السلاح (2) ، فقال: فنعم إذا ! قال أبو جعفر: فلما علم الروم مقدم عمر نفسه ، سألوه الصلح ، فصالحهم ، وكتب لهم كتابا على أن يؤدوا الجزية ثم سار إلى بيت المقدس ، فقصر فرسه عن المشى ، فأتى ببرذون فركبه ، فهزه وهملج تحته ، فنزل عنه ، وضرب وجهه بردائه ، وقال: قبح الله من علمك هذا ! ردوا على فرسى ، فركبه وسار حتى انتهى إلى بيت المقدس .

قال: ولم يركب برذونا قبله ولا بعده ، وقال: أعوذ بالله من الخيلاء ! قال أبو جعفر: ولقيه معاوية ، وعليه ثياب ديباج ، وحوله جماعة من الغلمان والخول ، فدنا منه فقبل يده ، فقال: ما هذا يابن هند ! وإنك لعلى هذه الحال: مترف صاحب لبوس وتنعم ، وقد بلغني أن ذوى الحاجات يقفون ببابك ! فقال: يا أمير المؤمنين ، أما اللباس فإنا ببلاد عدو ، ونحب أن يرى أثر نعمة الله علينا ، وأما الحجاب فإنا نخاف من البذلة جرأة الرعية .

فقال: ما سألتك عن شئ إلا تركتني منه في أضيق من الرواجب (3) ، إن كنت صادقا فإنه رأى لبيب ، وإن كنت كاذبا ، فإنها خدعة أريب .

* * * وقد روى الناس كلام معاوية لعمر على وجه آخر ، قيل لما قدم عمر الشام قدمها ، وهو راكب حمارا قريبا من الارض ، ومعه عبد الرحمن بن عوف راكب حمار قريب أيضا ، فتلقاهما معاوية في كوكبة خشناء (4) ، فثنى وركه ، ونزل وسلم بالخلافة فلم يرد عليه .

(1) التار: المتلئ البدن ، وفى الطبري:"ندت".

(2) اليلمق: القباء المحشو وفى الطبري:"وإن علينا السلاح".

(3) الرواحب: ما بين عقد الاصابع .

(4) خشناء ، أي كثيرة السلاح (*) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت