فهرس الكتاب
كيف يكون أعيا الناس ! فو الله ما سن الفصاحة لقريش غيره ، ويكفى هذا الكتاب الذي نحن شارحوه دلالة على أنه لا يجارى في الفصاحة ، ولا يبارى في البلاغة .
وحسبك أنه لم يدون لاحد من فصحاء الصحابة العشر ، ولا نصف العشر مما دون له ، وكفاك في هذا الباب ما يقوله أبو عثمان الجاحظ في مدحه في كتاب"البيان والتبيين"وفي غيره من كتبه .
وأما سجاحة الاخلاق ، وبشر الوجه ، وطلاقة المحيا ، والتبسم: فهو المضروب به المثل فيه حتى عابه بذلك أعداؤه ، قال عمرو بن العاص لاهل الشام: أنه ذو دعابة شديدة .
وقال علي عليه السلام في ذاك: عجبا لابن النابغة ! يزعم لاهل الشام أن في دعابة ، وأني امرؤ تلعابة ، أعافس وأمارس (1) ! وعمرو بن العاص إنما أخذها عن عمر بن الخطاب لقوله له لما عزم على استخلافه: لله أبوك لولا دعابة فيك ! إلا أن عمر اقتصر عليها ، وعمرو زاد فيها وسمجها .
قال صعصعة بن صوحان وغيره من شيعته وأصحابه: كان فينا كأحدنا ، لين جانب ، وشدة تواضع ، وسهولة قياد ، وكنا نهابه مهابة الاسير المربوط للسياف الواقف على رأسه .
وقال معاوية لقيس بن سعد: رحم الله أبا حسن ، فلقد كان هشا بشا ، ذا فكاهة ، قال قيس: نعم ، كان رسول الله صلى الله عليه وآله يمزح ويبتسم إلى أصحابه ، وأراك تسر حسوا في ارتغاء (2) ، وتعيبه بذلك ! أما والله لقد كان مع تلك الفكاهة والطلاقة أهيب من ذي لبدتين قد مسه الطوى ، تلك هيبة التقوى ، وليس كما يهابك طغام أهل الشام ! .
(1) التلعابة ، بفتح التاء وكسرها: الكثير اللعب والمرح .
والمعافسة: الملاعبة أيضا .
والممارسة: ملاعبة النساء .
والخبر أورده ابن الاثير في النهاية 1: 117 ، و 3: 59 ، 110 ، و 4: 59 ، 89 .
(2) في المثل:"هو يسر حسوا في ارتغاء"، يضرب لمن يظهر أمرا وهو يريد غيره .
(اللسان 19: 46) .