الصفحة 839 من 6525

تلك حمر النعم ، فقلت له: يا أمير المؤمنين ، أنا والله كذلك من أولئك ، أناو الله حيث تحب .

ثم مضيت إلى زياد بالكتاب ، وأنا على فرس رائع كريم ، وعلى السلاح ، فقال لى زياد: يا بن أخى ، والله ما لى عنك من غنى (1) ، وإنى أحب أن تكون معى في وجهى هذا ، فقلت: إنى قد استأذنت أمير المؤمنين في ذلك فأذن لى ، فسر بذلك ، ثم خرجنا حتى أتينا الموضع الذى كانوا فيه ، فسألنا عنهم ، فقيل: أخذوا نحو المدائن فلحقناهم ، وهم نزول بالمدائن ، وقد أقاموا بها يوما وليلة ، وقد استراحوا وعلفوا خيولهم ، فهم جامون مريحون ، وأتيناهم وقد تقطعنا ولغبنا ونصنا ، فلما رأونا وثبوا على خيولهم ، فاستووا عليها ، فجئنا حتى انتهينا إليهم ، فنادى الخريت بن راشد: يا عميان القلوب والابصار ، أمع الله وكتابه أنتم أم مع القوم الظالمين ؟ فقال له زياد بن خصفة: بل مع الله وكتابه وسنة رسوله ، ومع من الله ورسوله وكتابه آثر عنده من الدنيا ثوابا ولو أنها منذ يوم خلقت إلى يوم تفنى لاثر الله عليها .

أيها العمى الابصار ، الصم الاسماع ! فقال الخريت: فأخبرونا ما تريدون ؟ فقال له زياد - وكان مجربا رفيقا: قد ترى ما بنا من النصب واللغوب (2) ، والذى جئنا له لا يصلح فيه الكلام علانيه على رؤوس أصحابك ، ولكن تنزلون وننزل ، ثم نخلو جميعا ، فنتذاكر أمرنا وننظر فيه ، فإن رأيت فيما جئنا له حظا لنفسك قبلته ، وإن رأيت فيما أسمع منك أمرا أرجو فيه العافية لنا ولك لم أرده عليك .

فقال الخريت: انزل ، فنزل فأقبل إلينا زياد ، فقال: انزلوا على هذا الماء ، فأقبلنا حتى انتهينا إلى الماء ، فنزلنا به ، فما هو إلا أن نزلنا فتفرقنا ، فتحلقنا عشرة وتسعة وثمانية وسبعة ، تضع كل حلقة طعامها بين أيديها ، لتأكل ثم تقوم إلى الماء فتشرب .

(1) الطبري: (غناء) .

(2) الطبري: (من السغوب واللغوب) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت