فهرس الكتاب
ومنهم من فرط فيها تفريطًا منكرًا، فهمش قيمتها، ونهى عن الانشغال بها واعتبرها من قضايا الفتنة التي ينهى عن مجرد الدخول فيها، وتستمطر اللعنات من أيقظها.
وبين هؤلاء وهؤلاء وقف أهل القصد والاعتدال، الذين لم يتعمقوا فيها تعمق الأولين، ولم يجفوا عنها كما فعل الآخرون، بل ألزموا العامة فيها بالجمل الثابتة التي لا لبس فيها ولا غموض، وأحالوا إلى أهل العلم ما وراء ذلك من الجزئيات والتفاصيل التي لا تبلغها عقول العامة ولم تتهيأ لها، واعتبروا بواقع الفتنة والغربة الذي يغشى الأمة في هذه الأيام، فلم يثربوا على المخالف التثريب الذي يحمله على الانحياز إلى معسكر الخصوم، ولم يسكتوا عنه السكوت الذي تغيم معه الرؤية وتشتبه به الأمور، بل المداراة والتألف مع الإلحاح في البلاغ والبيان.
ونود في هذه العجالة أن نشير إلى بعض القواعد الكلية في باب توحيد الأسماء والصفات التي لا يسع المبتدئ جهلها محيلين فيما وراء ذلك إلى المراجع والمطولات.
ثوابت ومحكمات في توحيد الأسماء والصفات:
الجمع بين النفي والإثبات هو حقيقة التوحيد في باب الأسماء والصفات، لأن الاقتصار على النفي المحض تعطيل محض، والاقتصار على الإثبات المحض لا يمنع المشاركة، فلو قلت: (ليس محمد بعالم) ، فقد نفيت عنه صفة العلم وعطلته منها، وإن قلت: (محمد عالم) ، فإنك وإن أثبت له صفة العلم إلا أن هذا لا يمنع مشاركة غيره له في ذلك، بخلاف ما لو قلت: (لا عالم إلا محمد) ، فقد أثبت له صفة العلم ونفيتها عن غيره، فتكون موحدًا له في هذه القضية.