الباب الأول: بحوث تمهيدية
الفصل الخامس: دوافع التحريف
لا يختلف اثنان من الباحثين الإسلاميين في تفسير ظاهرة التعارض والإختلاف في روايات السيرة والتاريخ، بأنَّ مرجع ذلك بشكل أساسي إلى الكذب من الرواة المعروفين بذلك أو إلى الإشتباه ممَّن لا يتعمد الكذب منهم.
ويمكننا إجمال دوافع الوضع والكذب عند رواة السيرة والتاريخ حسب أهميتها إلى ما يلي:
الدافع الأوّل: رغبة السلطات في الوضع، وقد يلتقي معها غالبا الدافع الثاني أو الثالث الآتيان.
الدافع الثاني: رغبة الزنادقة في التحريف.
الدافع الثالث: رغبة بعض الرواة في نصرة معتقده أو الإنتقاص من أحد بغضًا وحسدًا له.
وقد أُبتليت أخبار السيرة والتاريخ أيضًا بعامل آخر هو الكتمان في قليل أو كثير خوفًا من السلطة، وأحيانًا حسدًا وبغضًا وأحيانًا خوفًا من العامة وغوغاء الناس، وأحيانًا كراهةً وإستبشاعًا لكونه خلاف المعتقد أو المذهب وأحيانًا خوفًا من إستفادة الخصم منها.
وفيما يلي طرف من وثائق هذه العوامل أو الدوافع:
الدافع الأول: رغبة السلطات في الوضع أو الكتمان
إنَّ أبرز مَثَل على هذا الدافع لتحريف الإخبار هو ما جرى على عهد بني أمية وفيما يلي أربع روايات تحدِّثنا عن ذلك:
1.رواية المدائني في كتابه الأحداث:
روى ابن أبي الحديد عن علي بن محمد بن أبي سيف المدائني (ت225هـ) (1) في كتابه (الأحداث) قال:
كتب معاوية نسخة واحدة إلى عُمَّاله بعد عام الجماعة.
(أن برئت الذمَّة ممَّن روى شيئًا من فضل أبي تراب وأهل بيته) .
فقامت الخطباء في كل كورة وعلى كل منبر يلعنون عليًَّا عليه السلام ويبرءون منه ويقعون فيه وفي أهل بيته.