الصفحة 19 من 789

فقال ابن عباس يا ابن النابغة! ضل والله عقلك وسفه حلمك ونطق الشيطان على لسانك، هلا توليت ذلك بنفسك حين دعيت إلى النزال وتكافح الأبطال وكثرت الجراح وتقصفت الرماح، وبرزت إلى أمير المؤمنين مصاولا فانكفأ نحوك بالسيف حاملا، فلما رأيت الكواشر من الموت وقد أعددت حيلة السلامة قبل لقائه والانكفاء عنه بعد إجابة دعائه فمنحته -رجاء النجاة- عورتك وكشفت له -خوف بأسه -سوأتك، حذر أن يصطلمك بسطوته أو يلتهمك بحمالته ثم أشرت على معاوية -كالناصح له -بمبارزته وحسنت له التعريض بمكافحته رجاء أن تكفى مؤنته وتعدم صولته فعلم غل صدرك وما أنحنت عليه من النفاق أضلعك، وعرف مقر سهمك في غرضك، فاكفف غرب (عضب) لسانك واقمع عوراء لفظك فانك لمن (امام) أسد خادر وبحر زاخر، إن برزت للأسد افترسك، وإن عمت في البحر غمسك.

فقال مروان: يا ابن عباس إنك لتصرف بنابك وتوري نارك كأنك ترجو الغلبة تؤمل العافية! ولولا حلم معاوية عنكم لناولكم بأقصر أنامله فأوردكم منهلا بعيدا صدره، لعمري لئن سطا بكم ليأخذن بعض حقه منكم، ولئن عفا عن جرائركم فقديما مانسب إلى ذلك.

فقال ابن عباس: وإنك لتقول ذلك يا عدو الله وطريد رسول الله والمباح دمه والداخل بين عثمان ورعيته بما حملهم على قطع أوداجه وركوب أثباجه! أما والله! لو طلب معاوية ثاره لأخذك به، ولونظر في أمرعثمان لوجدك أوله وآخره. وأما قولك لي: (( إنك لتصرف بنابك وتوري بنارك ) )فسل معاوية وعمرا يخبراك ليلة الهرير كيف ثباتنا للمثلات واستخفافنا بالمعضلات وصدق جلادنا عند المصاولة وصبرنا على اللأواء في المطاولة ومصافحتنا بجباهنا السيوف المرهفة ومباشرتنا بنحورنا حد الأسنة، هل خمنا عن كرائم تلك المواقف؟ أم لم نبذل مهجنا للمتالف؟ وليس لك إذ ذاك فيها مقام محمود ولا يوم مشهود ولا أثر معدود وإنهما شهدا ما لو شهدت لأقلقك فاربع على ظلعك ولا تعرض لما ليس لك، فانك كالمغروز في صفد لا يهبط برجل ولا يرقى بيد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت