فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 44

ومن السنة ما ذكره أبو داود بعد أن ذكر أحاديث فيها النهي عن هجر المسلم؛ قال: النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - هَجَرَ بَعْضَ نِسَائِهِ أربعينَ يَوْمًا، وابنُ عُمَرَ هَجَر ابنًا له إِلَى أنْ مَاتَ.

وفي صحيح مسلم أن قريبًا لعبد الله بن مغفل خَذَف فنهاه فقال: إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الْخَذْف وقال: إِنَّهَا لاَ تَصِيدُ صَيْدًا وَلاَ تَنْكَأُ عَدُوًّا وَلَكِنَّهَا تَكْسِرُ السِّنَّ وَتَفْقَأُ الْعَيْنَ، قال: فعاد، فقال: أحدثك أن رسول الله نهى عنه ثم عُدْتَ تخذف لا أكَلِّمك أبدًا. قال النووي على حديث عبد الله بن مغفل: في هذا الحديث هجران أهل البدع والفسوق ومُنَابِذِي السنة مع العلم، وأنه يجوز هجرانه دائمًا؛ والنهي عن الهجران فوق ثلاثة أيام إنما هو فيمن هجر لحظ نفسه ومعايش الدنيا، وأما أهل البدع ونحوهم فهجرانهم دائمًا، وهذا الحديث مِمَّا يؤيده، مع نظائر له كحديثِ كعب بن مالك وغيره. انتهى.

وجاء في صحيح البخاري: ودعا ابن عمر أبا أيوب فرأى في البيت سترًا على الجدار فقال ابن عمر غلبنا عليه النساء فقال من كنت أخشى عليه فلم أكن أخشى عليك والله لا أطعم لكم طعامًا فرجع. انتهى.

وأما الإجماع: قال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه يجوز الهجر فوق ثلاث لمن كانت مخالطته تجلب نقصًا على المخاطب في دينه، أو مضرة تحصل عليه في نفسه، أو دنياه، فرب هجر جميل خير من مخالطة مؤذية. انتهى.

ومن أقوال علماء الأمة في هذا الباب:

قال ابن مفلح في الآداب الشرعية: يسن هجر من جهر بالمعاصي الفعلية والقولية والاعتقادية، قال أحمد في رواية حنبل: إذا علم أنه مقيم على معصيته لم يأثم إن هو جفاه، حتى يرجع، وإلا كيف يتبين للرجل ما هو عليه إذا لم ير منكرًا ولا جفوة من صديق؟. انتهى.

وقَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: يُسَنُّ هَجْرُ مَنْ جَهَرَ بِالْمَعَاصِي الْفِعْلِيَّةِ وَالْقَوْلِيَّةِ والاعتقادية , وَقِيلَ: يَجِبُ إنْ ارْتَدَعَ بِهِ وَإِلَّا كَانَ مُسْتَحَبًّا.

وَقِيلَ: يَجِبُ هَجْرُهُ مُطْلَقًا إلَّا مِنْ السَّلَامِ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ.

وَقِيلَ تَرْكُ السَّلَامِ عَلَى مَنْ جَهَرَ بِالْمَعَاصِي حَتَّى يَتُوبَ فَرْضُ كِفَايَةٍ , وَيُكْرَهُ لِبَقِيَّةِ النَّاسِ تَرْكُهُ ... انتهى.

وقال شيخ الإسلام في الفتاوى الكبرى: وكل من أظهر الكبائر فإنه تسوغ عقوبته بالهجر وغيره ممن في هجره مصلحة له راجحة، فتحصل المصالح الشرعية في ذلك بحسب الإمكان. انتهى.

وقال- رحمه الله -في موضع آخر: ومَن عُرف منه التظاهر بترك الواجبات، أو فعل المحرمات: فانه يستحق أن يُهجر، ولا يسلَّم عليه تعزيرًا له على ذلك حتى يتوب."مجموع الفتاوى".

وقال ابن عبدالبر في الاستذكار: وأما قوله ولا يحل لمسلم أن يهجر أو يهاجر أخاه فهو عندي مخصوص أيضا بحديث كعب بن مالك إذ أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يهجروه ويقطعوا الكلام عنه والسلام عليه لما أحدثه في تخلفه عن غزوة تبوك وهو قادر على الغزو وقد جعل بعض أهل العلم حديث كعب هذا أصلا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت