الصفحة 36 من 61

فإذا علم المؤمن أن الميزان الذي تقاس به الأمور مختلف عما يظنه كثير من الناس، وإذا علم أن هذا الميزان يختلف بين المؤمنين والكافرين، فقد يتساوى المؤمن والكافر في الظاهر في صورة الابتلاء بالمنع أو العطاء، لكن بينهما ما بين المشرق والمغرب؛ فهذا المؤمن استقرت نفسه وهدأ خاطره، فأقبل على عبادة ربه بطمأنينة وسكينة، واستقبل قضاء الله وقدره بمزيد من الرضا والتسليم، شاكرًا لنعمائه، صابرًا على ابتلائه، فنال بذلك أعلى الدرجات وحصَّل أعلى الكرامات، وليس ذلك إلا للمؤمن، كما قال عليه السلام:"عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير -وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن- إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له".

الركن السابع: فقه التعامل مع أقدار الله الشاملة للسراء والضراء ما يلي:

يقول أهل العلم من علامات السعادة أن المسلم إذا أُنعم عليه شكر وإذا ابتُلي صبر وإذا أذنب استغفر, فعلى المؤمن أن يصبر على كل ما يُصيبه من مصائب وبلايا لينال أجر الصابرين الشاكرين، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم:"عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن: إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له"رواه مسلم. فالمؤمن الذي تُصيبه السراء والنعمة فيشكر ربه فله العاقبة الحسنة، وذلك لأن الله يحب الشاكرين، ويزيدهم من نعمه، قال تعالى: (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ) [إبراهيم:7] . والمؤمن الذي يصبر على الضراء ينال أجر الصابرين، كما قال تعالى: (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) [البقرة:155 - 157] .

وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن من يصبر على فقد (موت) ولده ولا يجزع، بل يسترجع، ويحمد الله، أن الله يبني له بيتًا في الجنة جزاءً على صبره وشكره، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا مات ولد العبد، قال الله لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم. فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله تعالى: ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة، وسموه بيت الحمد"رواه الترمذي، وقال حديث حسن.

ومعنى استرجع: قال: (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) فعلى المؤمن أن يقول ذلك إذا أصابته مصيبة من المصائب، وعليه أن يرجع إلى الله، وأن يكثر من ذكره ومن الصلاة، حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر يفزع إلى الصلاة.

ومعنى حزبه: أي نزل به أمر مهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت