المشهورةِ التي عَقَدَهَا ابنُ مَالِكٍ في الخلاصةِ بقولِه [1] :
وَمَدًَّا ابْدِلْ ثَانِيَ الْهَمْزَينِ مِنْ ... كِلْمَةٍ انْ يَسْكُنْ كَآثِرْ وَائْتَمِنْ
وصيغةُ الجمعِ للتعظيمِ. ومعنى (آتَيْنَا) : أعطينا، وهي تَطْلُبُ مفعولين، والمفعولُ الأولُ هو موسى، والثاني الكتابُ، وهذه من بابِ: (كَسَا) لا من (ظَنَّ) . ومعلومٌ عندَ علماءِ العربيةِ أن الفرقَ الواضحَ الموضِّحَ بين بابِ (ظَنَّ) وبابِ: (كَسَا) [2] - مع أن كُلاًّ منهما تَنْصِبُ مفعولين - هو: أن تحذفَ الفعلَ من كِلاَ الْبَابَيْنِ، ثم تجعلُ المفعولين مبتدأً وخبرًا، فإن صَدَقَتِ القضيةُ فهي من بابِ (ظَنَّ) ، وإن كَذَبَتْ فهي من بابِ (كَسَا) ، وهذا ضابطٌ مُطَّرِدٌ مفيدٌ لطالبِ العلمِ، فلو قُلْتَ مثلًا: «ظَنَنْتُ زَيْدًا قَائِمًا» . فحذفتَ الفعلَ الذي هو (ظننتُ) وجعلتَ المفعولين مبتدأً وَخَبَرًا، فقلتَ: «زَيْدٌ قَائِمٌ» كان كلامًا مستقيمًا. فهذا من بابِ (ظَنَّ) ، بخلافِ «كَسَوْتُ زَيْدًا ثَوْبًا» و «سَقَيْتُ عَمْرًا ماءً» . و {آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ} لو حذفتَ الفعلَ منها وقلتَ: «زيدٌ ثوبٌ» ، «عمرٌو ماءٌ» ، «موسى الكتابُ» ، فهذه القضيةُ كاذبةٌ، فدلَّ على أنها من بابِ (كَسَا) .
والمرادُ بالكتابِ التوراةُ، بإجماعِ العلماءِ [3] .
والتحقيقُ أن المرادَ بالفرقانِ هو التوراةُ أَيْضًا [4] ، وقد تقرر في فَنِّ العربيةِ أن الشيءَ الواحدَ إذا وُصِفَ بصفاتٍ مختلفةٍ يجوزُ عَطْفُهُ
(1) الخلاصة ص76، وانظر: شرحه في الأشموني (2/ 604) .
(2) انظر: التوضيح والتكميل لشرح ابن عقيل (1/ 385) .
(3) انظر: القرطبي (1/ 399) .
(4) انظر: ابن جرير (2/ 71) .