فهرس الكتاب

الصفحة 106 من 3104

وقد قَدَّمْنَا [1] أن هذا المفعولَ الثانيَ في (اتخاذهم العجلَ إِلَهًا) محذوفٌ في جميعِ القرآنِ، وأن بعضَ العلماءِ قال: النكتةُ في حذفِه دائمًا هي التنبيهُ على أنه لا ينبغي أن يُتَلَفَّظَ بأن عِجْلًا مُصْطَنَعًا من حُلِيٍّ إِلَهٌ.

وقال جل وعلا: {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ} الفاءُ سببيةٌ، وقد تقررَ في فَنِّ الأصولِ في مسلكِ (الإيماءِ والتنبيهِ) [2] أن الفاءَ من حروفِ التعليلِ، وأن ما قَبْلَهَا علَّة لِمَا بَعْدَهَا، كقولهم: «سَهَا فَسَجَدَ» ، أي: لِعِلَّةِ سَهْوِهِ، و «سرق فقُطِعَتْ يدُه» أي: لعلةِ سرقتِه، {ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا} أي: لعلةِ ظُلْمِكُمْ. {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ} قد قدَّمنا معنى التوبةِ واشتقاقَها في أولِ هذه السورةِ الكريمةِ.

وقولُه: {إِلَى بَارِئِكُمْ} أي: خَالِقُكُمْ وَمُبْرِزُكُمْ من العدمِ إلى الوجودِ. وقد ذَكَرَ (جل وعلا) الخالقَ البارئَ من صفاتِه كما قال في أخرياتِ الحشرِ: {الخَالِقُ البَارِئُ} [الحشر: آية 24] ، و (الخالقُ) اسمُ فاعلِ الخلقِ، والخلقُ في اللغةِ: التقديرُ. و (البارئُ) هو الذي يَفْرِي ما خَلَقَ؛ فمعنى خَلَقَ: قَدَّرَ، ومعنى بَرَأَ: أنفذَ ما قَدَّرَ، وأبرز من العدمِ إلى الوجودِ،

والعربُ تُسَمِّي التقديرَ خَلْقًا، ومنه قولُ زهيرِ بنِ أَبِي سُلْمَى [3] :

وَلأَنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ وبَعْـ ... ـضُ الْقَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لاَ يَفْرِي

(1) مضى عند تفسير الآية (51) من سورة البقرة.

(2) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم (1/ 171) شرح الكوكب المنير (3/ 477) (4/ 125) .

(3) القرطبي (1/ 226) ، الدر المصون (1/ 188) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت