فهرس الكتاب
ويجوزُ انقسامُ الناسِ إلى جماعاتٍ متعددةٍ، ولا يلزمُ أن يكونوا فريقين فقط، بل يجوزُ أن يكونوا فريقين وأكثرَ، ومن هذا المعنى قولُ نُصَيبٍ [1] :
فَقَالَ فَرِيقُ الْقَوْمِ: لاَ، وَفَرِيقُهُمْ
نَعَمْ [وَقَالَ فَرِيقٌ] [2] : وَيْحَكَ مَا نَدْرِي
واختلفَ العلماءُ في المرادِ بهذا الفريقِ الذين سمعوا كلامَ اللَّهِ وَحَرَّفُوهُ بعدَ أن عَقَلُوهُ [3] :
قال جماعةٌ من العلماءِ: هذا الفريقُ هم علماؤُهم، ومعنى {يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللَّهِ} يسمعونَ كلامَ اللَّهِ يُتْلَى في كتابِه التوراةِ ويفهمونه {ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ} من بعد ما أَدْرَكُوهُ بعقولِهم، فيجدونَ فيه صفاتِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم: (أبيضَ) ، فيحرفونها إلى (أسمرَ) ، ويجدونَ من صفاتِه: (رَبْعَة) ، فيحرفونها إلى أنه طويلٌ مُشَذَّبٌ، ونحو ذلك من تغييرِ الصفاتِ.
فعلى هذا الوجهِ فالفريقُ الذين يسمعونَ كلامَ اللَّهِ: العلماءُ يسمعونَ كتابَ اللَّهِ التوراةَ يُتْلَى {ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ} يعني يُبَدِّلُونَهُ وَيُحَرِّفُونَهُ، ويجعلونَ فيه ما ليسَ فيه، بأن يُحِلُّوا حرامَه، ويحرموا حلالَه، ويغيروا فيه صفاتِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وينكروا بعضَ آياتِه كآيةِ الرجمِ، وما جرى مجرَى ذلك من التحريفِ.
(1) البيت في الكتاب لسيبويه (3/ 503) ، ولفظه:
فقال فريق القوم لمَّا نشدتُهم ... نَعَمْ، وفريقٌ لَيْمُنُ الله ما ندري
(2) في الأصل: وفريق قال.
(3) انظر: ابن كثير (1/ 115) .