فهرس الكتاب
وهذا معنى قوله: {وَلَوْ شِئْنَا} رفعه بها {لَرَفَعْنَاهُ} لو شئنا رفع هذا الذي آتيناه آياتنا بتلك الآيات لوفقناه للعمل بها فعمل بها حتى مات عليها فكان مرفوع الدرجة رفيع الذكر في الدنيا والآخرة.
{وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ} أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ معناه: ركن ومال إلى لَذَّاتِ الدّنْيَا وحطامها وشهواتها فآثَرَها على آيات الله فسَلَخَهُ الله من آياته (والعياذ بالله) . والعرب تقول: أخلد إلى الشيء: إذا رَكَنَ ومَالَ إلَيْهِ، وأصل الإخلاد: هو ملازمة الشيء والدوام فيه. فالعرب تقول: أخلد بهذا المكان: إذا لازَمَهُ ودَامَ فِيه، وهو معنى معروف في كلامها [1] ، ومنه قول زهير بن أبي سُلمى [2] :
لِمَنِ الدِّيَارُ غَشَيْتُهَا بِالْفَدْفَدِ ... كَالْوَحْي في حَجَرِ المَسِيلِ المُخْلِدِ
أي: اللازم محله. وهذا معنى قوله: {وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ} الهوى بفتحتين: مَيلُ النفس، ولا يكاد يطلق إلا على ميلها لما لا ينبغي، وقد يُطلق في غير ذلك [3] . واتباع الهوى (والعياذ بالله) هو أعظم الآفات.
ثم إن الله ضربه مثلًا قال: {فَمَثَلُهُ} أي: فصفته (والعياذ بالله) في خساسته وقبحه وملازمته الخساسة في جميع الأحوال {كَمَثَلِ الْكَلْبِ} وهو الحيوان المعروف. وجملة: {إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث} جملة شرطية، وهي في محل نصب في موضع الحال على ما حَقَّقَهُ بَعْض علماء العربية مِنْ أَنَّهُ لا مَانِعَ مِنْ
(1) انظر: ابن جرير (13/ 270) .
(2) مضى عند تفسير الآية (160) من سورة الأعراف.
(3) مضى عند تفسير الآية (56) من سورة الأنعام.