الصفحة 25 من 34

وفي تاريخنا الإسلامي مثل مضيء لداعية من الدعاة لم يعجبه موقف الحكام الأندلسيين من سكوتهم على الخطر المنذر بالنهاية فـ"رفع صوته بالاحتساب، ومشى بين ملوك أهل الجزيرة لصلة ما انبتّ [1] من تلك الأسباب، فقام مقام مؤمن آل فرعون لو صادف أسماعًا واعية، بل نفخ في عظام ناخرة، وعطف على أطلال داثرة، بيد أنه [2] كلما وفد على ملك منهم في ظاهر أمره لقيه بالترحيب، وأجزل حظه في التأنيس والتقريب، وهو في الباطن يستجهل نزعته، ويستثقل طلعته، وما كان أفطن الفقيه رحمه الله بأمورهم، وأعلمه بتدبيرهم، لكنه كان يرجو حالًا تثوب [3] ومذنبًا يتوب" [4] .

كان هذا الفقيه هو أبا الوليد الباجي رحمه الله تعالى، ولكنه كما قال المقري:"لم يفد شيئًا، فالله تعالى يجازيه عن نيته" [5] ، واستمر رحمه الله تعالى في دعوته تلك ثلاث عشرة سنة حتى"توفي بالمرية سنة 474، وكان جاء إلى المرية سفيرًا بين رؤساء الأندلس يؤلفهم على نصرة الإسلام ويروم جمع كلمتهم مع جنود ملك المغرب المرابطين على ذلك فتوفي قبل تمام غرضه رحمه الله" [6] .

ولم يكن في الساحة وحده رحمه الله تعالى بل كان معه نجوم هو شمسهم منهم أبو حيان، وأبو الحزم جَهْور بن محمد بن جهور، وابن حزم، والإلبيري، والعسال الطليطلي، وابن عبد البر، كل هؤلاء شاركوا في جهود الإنقاذ والدعوة إلى الاتحاد والحذر من الخطر القائم، شاركوا بشعرهم وكتابتهم ودروسهم [7] .

(1) انبت: انقطع.

(2) أي لكنه.

(3) أي ترجع.

(4) التاريخ الأندلسي لعبد الرحمن الحجي: 339 نقلًا عن: الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، لابن بسام.

(5) المرجع السابق.

(6) المرجع السابق: 343، نقلًا عن: ترتيب المدارك، للقاضي عياض.

(7) انظر المرجع السابق: 344 ــ 347.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت