وماشيًا مرحًا يلهيه موطنه ... أبعد حمص [1] تغر المرء أوطان
تلك المصيبة أنست ما تقدمها ... ومالها مع طول الدهر نسيان
ياراكبين عتاق الخيل ضامرة ... كأنها في مجال السبق عقْبان [2]
وحاملين سيوف الهند مرهفة ... كأنها في ظلام النقع نيران
وراتعين وراء البحر في دَعَة ... لهم بأوطانهم عز وسلطان
أعندكم نبأ من أهل أندلس ... فقد سرى بحديث القوم ركبان
كم يستغيث بنا المستضعفون وهم ... قتلى وأسرى فما يهتز إنسان
ماذا التقاطع في الإسلام بينكم ... وأنتمُ يا عباد الله إخوان
ألا نفوسٌ أبيّات لها همم ... أما على الخير أنصار وأعوان
يا من لذلة قوم بعد عزهمُ ... أحال حالهمُ كفر وطغيان
بالأمس كانوا ملوكًا في منازلهم ... واليوم هم في بلاد الكفر عبدان
فلو تراهم حيارى لا دليل لهم ... عليهم من ثياب الذل ألوان
ولو رأيت بكاهم عند بيعهم ... لهالك الأمر واستهوتك أحزان
يا رُبَّ أمٍ وطفل حِيل بينهما ... كما تفرق أرواح وأبدان
وطَفْلة مثل حسن الشمس إذ طلعت ... كأنما هي ياقوت ومرجان [3]
يقودها العلج للمكروه مكرهة ... والعين باكية والقلب حيران
لمثل هذا يذوب القلب من كمد ... إن كان في القلب إسلام وإيمان [4]
(3) وبعد سقوط غرناطة يحدثنا التاريخ عن هذا المشهد:
(1) حمص هي: إشبيلية سميت بذلك لشبهها بحمص.
(2) جمع عقاب وهو طائر معروف.
(3) الطَفْلة: الفتاة الناعمة البيضاء.
(4) من فصيدة لأبي البقاء الرندي يرثي فيها الأندلس، وطالعها كاملة في: نفح الطيب: 6/279ــ281.