فهرس الكتاب

الصفحة 1006 من 1123

وهي لم تذكر قديمًا في الأدب إلا بالنكتة والرقة وصناعات بديعية ملفقة، ولم يستفض لها ذكر بنابغة ولا عبقري، وكانت كالمستجدية من تاريخ الحواضر في العالم، حتى أن أبا محمد الملقب بولي الدولة صاحب ديوان الإنشاء في مصر للظاهر بن المستنصر -"وقد توفي سنة 341هـ"، وكان رزقه ثلاثة آلاف دينار في السنة غير رسوم يستوفيها على كل ما يكتبه- سلم لرسول التجار إلى مصر من بغداد جزأين من شعره ورسائله يحملهما إلى بغداد ليعرضهما على الشريف المرتضي وغيره من أدبائها، فيستشيرهم في تخليد هذا الأدب المصري بدار العلم إن استجادوه وارتضوه، كأن حفظ ديوان من شعر مصر ونثرها في مكتبة بغداد قديمًا يشبه في حوادث دهرنا استقلال مصر وقبولها في عصبة الأمم.

وهذا أحمد بن علي الأسواني إمام من أئمة الأدب في مصر"توفي سنة 562"، وكان كاتبًا شاعرًا يجمع إلى علوم الأدب الفقه والمنطق والهندسة والطب والموسيقى والفلك- أراد أن يدون شعر المصريين، فجمع من شعرهم"وشعر من طرأ عليهم"أربع مجلدات، كأن الشعر المصري وحده إلى آخر القرن السادس للهجرة، في العهد الذي لم يكن ضاع فيه شيء من الكتب والدواوين لا يملأ أربع مجلدات... على اختلافهم في مقدار المجلدة، فقد تكون جزءًا لطيف الحجم؛ والأسواني نفسه يبلغ ديوانه نحو مائة ورقة.

وأخوه الحسن المعروف بالمهذب"الأسواني المتوفى سنة 561"قال العماد الكاتب: إنه لم يكن بمصر في زمنه أشعر منه، وسارت له في الناس قصيدة سموها النواحة، وصف فيها حنينه إلى أخيه وقد رحل إلى مكة وطالت غيبته بها وخيف عليه؛ فالرجل أشعر أهل مصر في زمنه، وحادثة النواحة تجعله في هذا المعنى أشعر من نفسه، على أنه مع هذا لم يقل إلا من هذا:

يا ربع أين نرى الأحبة يممواهل أنجدوا من بعدنا أم أتهموا

رحلوا وفي القلب المعنَّى بعدهموجد على مر الزمان مخيم

وتعوضت بالأنس نفسي وحشةلا أوحش الله المنازل منهم...

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت