فهرس الكتاب

الصفحة 1071 من 1123

غير أنك في البؤساء ترى مع الترجمة صنعة غير الترجمة، وكأنما ألف هيجو هذا الكتاب مرة وألفه حافظ مرتين، إذ ينقل عن الفرنسية؛ ثم يفتن في التعبير عما ينقل، ثم يحكم الصنعة فيما يفتن، ثم يبالغ فيما يحكم؛ فأنت من كتابه في لغة الترجمة، ثم في بيان اللغة، ثم في قوة البيان؛ وبهذا خرج الكتاب وإن مترجمه لأحق به في العربية من مؤلفه، وجاء وما يستطيع أحد أن ينسى أنه لحافظ دون سواه.

وتلك طريقة في الكتابة لا يستعان عليها إلا بالأدب الغزير، والذوق الناضج، والبيان المطبوع؛ ثم بالصبر على مطاولة التعب ومعاناة الكد في تخير اللفظ وتجويد الأسلوب وتصفية العبارة؛ فلقد ينفق الكاتب وقتًا في عمر الليل ليخرج من آخره سطرًا في نور الفجر، وبهذا الصنيع جاءت صفحات البؤساء على قلتها كشباب الهوى؛ لكل يوم منه فجره وشمسه، ولكل ليلة قمرها ونجومها.

والذي نغتمزه في هذه الترجمة أن الضجر يستبد أحيانًا بصاحبنا فيستكرهه على غير طبعه، ويرده إلى غير مألوفه؛ ومن ثم يضطرب ذوقه وسليقته أو يذهب به عنهما، فيعدل بالمعنى عن لفظه المعروف الذي استعمله الأدباء فيه، كاستعماله قارن بين كذا وكذا، وإنما يستعملون مثل بينهما، أو يخل بوزن الكلمة في ميزان الذوق، فترى العبارة اليابسة في الجملة الخضراء التي ترف؛ وذلك ما لا مطمع لأحد أن يسلم منه؛ لأنه أثر الضعف الإنساني فيمن ارتهنوا أنفسهم بملابسة القوة العليا في هذه الإنسانية.

ولم يتنزه عنه كتاب إلا ذلك الكتاب العزيز الذي اهتزت له السموات السبع والأرض ومن فيهن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت