والمؤاخاة والإنسانية؛ وهو اتساع الذات وارتفاعها فوق كل ما تكون به منحطة أو ضيقة.
قال أبو معاوية: فحق الرجل المسلم على امرأته المسلمة، هو حق من الله، ثم من الأمة، ثم من الرجل نفسه، ثم من لطف المرأة وكرمها، ثم مما بينهما معًا. وليس عجيبًا بعد هذا ما روينا عن النبي -صلى الله عليه وسلم:"لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد، لأمرت النساء أن يسجدن لأزواجهن؛ لما جعل الله لهم عليهن من الحق".
وهذه عائشة أم المؤمنين قالت: يا معشر النساء، لو تعلمن بحق أزواجكن عليكن، لجعلتِ المرأة منكن تمسح الغبار عن قدمي زوجها بحُرِّ وجهها.
قال أبو معاوية: وكان الشيخ قد استبطأني وقد تركتُه في فناء الدار، وكنت زوَّرت في نفسي كلامًا طويلًا عن فروته الحقيرة التي يلبسها، فيكون فيها من بَذَاذة الهيئة كالأجير الذي لم يجد من يستأجره، فظهر الجوع حتى على ثيابه. وقد مر بالشيخ رجل من المسودة [1] وكان الشيخ في فروته هذا جالسًا في موضع فيه خليج من المطر، فجاءه المسود فقال: قم فاعبر بي هذا الخليج, وجذبه بيده فأقامه وركبه والشيخ يضحك.
وكنت أريد أن أقول لأم محمد: إن الصحو في السماء لا يكون فقرًا في السماء، وإن فروة الشيخ تعرف الشيخ أكثر من زوجته، وإن المؤمن في لذات الدنيا كالرجل الذي يضع قدميه في الطين ليمشي، أكبر همه ألا يجاوز الطين قدميه.
ولكن صوت الشيخ ارتفع: هل عليكم إذن؟
قال معاوية: فبدرت وقلت: باسم الله أدخل؛ كأني أنا الزوجة, وسمعت همسًا من الضحك؛ ودخل أبو محمد إلى جانبي، وغمزني في ظهري غمزة؛ فقلت: يا أم محمد, إن شيخك في ورعه وزهده ليشبعه ما يشبع الهدهد، ويُرويه ما يُروي العصفور، ولئن كان متهدمًا فإنه جبل علم،"ولا تنظري إلى عَمَش عينيه، وحُموشة ساقيه، فإنه إمام وله قَدْر" [2] .
(1) - الذين يلبسون السواد، وهم شيعة العباسيين.
(2) - ما بين القوسين هو الوارد في التاريخ، وعليه بنينا هذه القصة.