فهرس الكتاب

الصفحة 395 من 1123

وضروراته فيرتد إلى ما هو أسفل أسفل حتى يعود في حكم التراب وأسره وعبوديته. فالفقر وما إليه، والزهد وما هو بسبيل منه، والانصراف عن الشهوات والرذائل كل ذلك إن هو إلا تراجع النفس العالية إلى ذاتها النورانية حالا بعد حال، وشيئا بعد شيء، لتضيء على المادة فتكشف حقائقها الصريحة فلا تباليها ولا تقيم لها وزنًا. فبينما الناس يرون الأموال والشهوات مادة حياة وعمل وشعور، تراها هي مادة بحث ومعرفة واعتبار ليس غير؛ وبهذا تكون النفس العظيمة في الدنيا كأستاذ المعمل, تدخل المادة إلى معمله وهي مادة وفكرة، وتخرج منه وهي حقيقة ومعرفة، وعلى أي أحوالها فهي إنما تحس في ذلك المعمل بأصابع علمية دقيقة ليس فيها الجمع ولا الحرص، ولكن فيها الذهن والفكر؛ وليس لها طبيعة الرغبة والغفلة، ولكن طبيعة الانتباه والتحرز، وليست في أسر المادة، ولكن المادة في أسرها ما شاءت.

ولا يسمى فقره صلى الله عليه وسلم زهدا كما يظن الضعفاء ممن يتعلقون على ظاهر التاريخ ولا يحققون أصوله النفسية؛ وأكثرهم يقرأ التاريخ النبوي بأرواح مظلمة تريهم ما ترى العين إذا ما اختلط الظلام ولبس الأشياء فتراءت مجملة لا تفصيل لها، مفرغة لا تبيين فيها؛ وما بها من ذلك شيء, غير أنها تتراءى في بقية من البصر ولا تغمرها.

وهل الزهد إلا أن تطرد الجسم عنك وهو معك، وتنصرف عنه وهو بك متعلق؟ فتلك سخرية ومثلة، وفي رأيي تشويه للجسم بروحه، وقد تنعكس فتكون من تشويه الروح بجسمها؛ فليس يعلم إلا الله وحده, أذاك تفسير لإنسانية الزاهد بالنور، أم هو تفسير بالتراب.

ولقد كان صلى الله عليه وسلم يملك المال ويجده، وكان أجود به من الريح المرسلة، ولكنه لا يدعه يتناسل عنده، ولا يتركه ينبت في عمله، وإنما كان عمله ترجمة لإحساسه الروحي، فهو رسول تعليمي، قلبه العظيم في القوانين الكثيرة من واجباته، وهو يريد إثبات وحدة الإنسانية، وأن هذا الإنسان مع المادة الصامتة العمياء مادة مفكرة مميزة، وإن الدين قوة روحية يلقى بها المؤمن أحوال الحياة فلا يثبت بإزائها

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت