فهرس الكتاب

الصفحة 420 من 1123

وإلا فهي ضارة إذا كانت منها مضرة، وهي مؤلمة إذا حالت دون اللذات. ولا ينفك هذا الفرد يتحول لأنه مطلق في باطنه غي مقيد إلا بأهوائه ونزعاته، وكلمتا الفضيلة والرذيلة معدومتان في لغة الأهواء والنزعات؛ إذ الغاية المتاع واللذة والنجاح، وليكن السبب ما هو كائن.

وبهذا فلن تقوم القوانين في أوربا إذا فني المؤمنون بالأديان فيها أو كاثرهم الملحدون، وهم اليوم يبصرون بأعينهم ما فعلت عقلية الحرب العظمى في طوائف منهم قد خربت أنفسهم من إيمانهم فتحولوا ذلك التحول الذي أومأنا إليه، فإذا أعصابهم بعد الحرب ما تزال محاربة مقاتلة ترمي في كل شيء بروح الدم والأشلاء والقبور والتعفن والبلى... وانتهت الحرب بين أمم وأمم، ولكنها بدأت بين أخلاق وأخلاق.

وقديما حارب المسلمون، وفتحوا العالم، ودوخوا الأمم؛ فأثبتوا في كل أرض هدي دينهم وقوة أخلاقهم الثابتة، وكان وراء أنفسهم في الحرب ما هو من ورائها في السلم، وذلك بثبات باطنهم الذي لا يتحول، ولا تستخفه الحياة بنزقها، ولا تتسفه المدنيات فتحمله على الطيش.

ولو كانوا هم أهل هذه الحرب الأخيرة بكل ما قذفت به الدنيا، لبقيت لهم العقلية المؤمنة القوية، لأن كل مسلم فإنما هو وعقليته في سلطان باطنه الثابت القار على حدود بينة محصلة مقسومة، تحوطها وتمسكها أعمال الإيمان التي أحكمها الإسلام أشد إحكام بفرضها على النفوس منوعة مكررة: كالصلاة والصوم والزكاة، ليمنع بها تغيرا ويحدث بها تغيرا آخر، ويجعلها كالحارسة للإرادة ما تزال تمر بها وتتعهدها بين الساعة والساعة1.

إنما الظاهر والباطن كالموج والساحل؛ فإذا جن الموج فلن يضيره ما بقي الساحل ركينا هادئًا مشدودًا بأعضاده في طبقات الأرض. أما إذا ماج الساحل... فذلك أسلوب آخر غير أسلوب البحار والأعاصير؛ ولا جرم ألا يكون إلا خسفا بالأرض والماء وما يتصل بهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت