فهرس الكتاب

الصفحة 521 من 1123

قال الشيخ: لأن الحيوان لا ينظر إلى الشيء إلا نظرة واحدة، هي نظره وفهمه معا، فلا محل للتزوير مع هذه النظرة الواحدة؛ وصدق الله العظيم: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ، تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} [الشعراء: 221، 222] . فأنت أيها الشطيان التزوير، والتزوير موضعه الكذب؛ فمن لم يكذب في الفكر ولا في النظر ولا في الفهم ولا في الرجاء، فليس لك عنده عمل.

قال إبليس: يا أبا عامر! وهل ترى رحمك الله أعجب وأغرب وأدعى إلى الهزء والسخرية من أن أعظم العقلاء الزهاد العباد، هو في جملة معانيه حيوان ليس له إلا نظرة واحدة في كل شيء؟

قال الشيخ: عليك وعليك...؛ إن الحيوان شيء واحد، فهو طبيعة مسخرة بنظامها، ولكن الإنسان أشياء متناقضة بطبيعتها، فألوهيته أن يقر النظام بين هذه المتناقضات، كأنما امتحن فأعطى من جسمه كونا فيه عناصر الاضطراب، وحوله عناصر الاضطراب، ثم قيل له دبره.

فضحك إبليس. قال الشيخ: مم ضحكت لعنك الله؟

قال: ضحكت من أنك أعلمتني حقيقة الإبليسية، فالزهاد هم الصالحون لأن يكونوا أعظم الأبالسة.

قال الشيخ: عليك لعنة الله، فما هي تلك الحقيقة التي زعمت؟

قال إبليس: والله يا أبا عامر، ما غلا إنسان في زعم التقوى والفضيلة إلا كانت هذه هي الإبليسية؛ وسأعلمك يا أبا عامر حقيقة الزهد والعبادة. فلا تقل: إنها ألوهية تقر النظام بين متناقضات الإنسان ومتناقضات الطبيعة.

قال الشيخ: وتسخر مني لعنك الله؟ فمتى كنت تعلم الحقيقة والفضيلة؟

قال إبليس: أوَلم أكن شيخ الملائكة؟ فمن أجدر من شيخ الملائكة أن يكون عالمها ومعلمها؟

قال: عليك لعنة الله؛ فما هي حقيقة الزهد والعبادة؟

قال إبليس: حقيقتها يا أبا عامر، هي التي أعجزتني في نبيكم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت