فهرس الكتاب

الصفحة 789 من 1123

قال العجوز: هذا كلام قلته قديمًا في حادثة عجيبة، فقد رفعت إلي ذات يوم قضية شيخ هرم كان قد سرق دجاجة؛ وتوسمته فإذا هو من أذكى الناس، وإذا هو يجل عن موضعه من التهمة، ولكن صح عندي أنه قد سرق، وقامت البينة عليه ووجب الحكم؛ فقلت له: أيها الشيخ، ما تستحي وأنت شائب أن تكون لصًا؟

قال: يا سيدي القاضي، كأنك تقول لي: ما تستحي أن تجوع؟

فورد علي من جوابه ما حيرني، فقلت له: وإذا جعلت أما تستحي أن تسرق؟ قال: يا سيدي القاضي، كأنك تقول لي: وإذا جعلت أما تستحيي أن تأكل؟

فكانت هذه أشد علي، فقلت له: وإذا أكلت أما تأكل إلا حرامًا؟

فقال: يا سيدي القاضي، إنك إذا نظرت إلي محتاجًا لا أجد شيئًا، لم ترني سارقًا حين وجدت شيئًا.

فأقحمني الرجل على جهله وسذاجته، وقلت في نفسي: لو سرق أفلاطون لكان مثل هذا؟ فتركت الكلام بالفلسفة وتكلمت بالقانون الذي لا يملك الرجل معه قولًا يراجعني به، فقلت: ولكنك جئت إلى هذه المحكمة بالسرقة، فلا تذهب من هذه المحكمة إلا بالحبس سنتين.

قال محدثنا: وأرمضني هذا العجوز الثرثار وملأ صدري، إذ ما برح يديرني وأديره عن"كاترينا ومرغريت"، ورأيت كل شيء قد هرم فيه إلا لسانه، فحملني الضجر والطيش على أن قلت له: وهب القضية كانت هي قضية"كاترينا"وقد رفعت إليك متهمة، أفكنت قائلًا لها: جئت إلى المحكمة بالسرقة فلا تذهبين من المحكمة إلا بالحبس سنتين؟

وجرت الكلمة على لساني وما ألقيت لها بالًا ولا عرفت لها خطرًا؛ فاكفهر القاضي العجوز وتربد وجهه غضبًا، وقال: يا بغيض! أحسبتني كنت قائلًا لها: جئت إلى المحكمة بالسرقة فلا تذهبين من المحكمة إلا بالقاضي...؟

وغضب الأستاذ"م": وقال: ويحك! أهذا من أدبكم الجديد الذي تأديتم به على أساتذة منهم الفجرة الذين يكذبون الأنبياء ولا يؤمنون إلا بدين الغريزة ويسوغونكم مذاهب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت