فهرس الكتاب

الصفحة 888 من 1123

ثم يتهيأ الشاعر لصلاة العشاء يرجو أن تناله بركتها، فيستجيب الله له ويفرج عنه، وقد كان لديه قدح من الماء لوضوئه، ولكن"المالح"الذي تغذى به كان قد أحرق جوفه وأضرم على أحشائه وهو في صيف قائظ، فما زال يطفئه بالشربة بعد الشربة، والمصة بعد المصة، حتى اشتف القدح وأتى عليه، فيكسل عن الصلاة ويلعن"المالح"وما جر عليه! ثم يعضه الجوع فيكسر خبرته ويسمى ويغمس اللقمة ثم يرفعها فيجد لها رائحة منكرة، فينظر في الآنية وقد نفذ إليه الضوء من قنديل الحارس، فإذا في"المالح"خنفساء قد انفجرت شبعًا، ويدقق النظرة فإذا دويبة أخرى قد تفسخت وهرأها"المالح"وفعل بها وفعل! قالوا: وتثب نفسه إلى حلقه، ولا يرى الطاعون والبلاد الأصفر والأحمر إلا هذا"المالح"، فيتحول إلى كوة الحانوت يتنسم الهواء منها ويتطعم الروح وهي مضببة بالحديد، ولا يزال يراعي منها الليل ويقدره منزلة منزلة بحساب البادية، وهو بين ذلك يلعن"المالح"عدد ما يسبح العابد القائم في جوف الليل، ويطول ذلك عليه، حتى إذا كان ينشق لمع الفجر لعينه، فلا يراه الشاعر إلا كالغدير يتفجر بالماء الصافي ويود لو انصب هذا الضوء في جوفه ليغسله من"المالح"وأوضار"المالح"؛ ثم يأتي الله بالفرج وبصاحب الحانوت فيفتح له، ويغدو ذو الرمة على الممدوح فيقبض الجائزة، وينقلب إلى حوانيت البقالين فيوفي أصحابها ما عليه؛ ولا يبقى معه إلا دراهم معدودة، فيخرج من البصرة على حمار اكتراه وقد فتحت له آفاق الدنيا، وكأنما فر من موت غير الموت، ليس اسمه البوار ولا الهلاك ولا القتل، ولكن اسمه"المالح"!

قالوا: ويحركه الحمار للشعر كما كانت تحركه الناقة، فيقول: أخزاك الله من حمار بصري، إن أنت في المراكب إلا"كالمالح"في الأطعمة! ثم يغلبه الطبع ينزو به الطرب وتهزه الحياة، فيهتاج للشعر ويذكر شوقه وحبه ودار مي، وفي"عقله الباطن"حوانيت وحوانيت من"المالح"، فيأتي هذا"المالح"في شعره ويدخل في لغته، فيقول الشعر الذي أهمل الأصمعي روايته لأن فيه"المالح"وما أدري أنا ما هو، ولكن لعله مثل قول الآخر:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت