فهرس الكتاب
أريد له -فإن محاسن البيان من التشبيه واستعارة والمجاز والكناية ليس لها مأتى كذلك إلا استعمال اللفظ في غير موضعه ولغير ما أريد له.
وعلى طريقة الكاتب كيف يصنع في قوله تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} [الفرقان: 23]
أتراه يقول: كيف قدم الله، وهل كان غائبًا أو مسافرًا، وكيف قدم إلى عمل، وهل العمل بيت أو مدينة؟
* وضعنا هذه الكلمة لما يسمى"العقل الباطن"، وهي أدق في التعبير تستوفي كل معاني الكلمة، ولا معنى لأن يكون هناك عقل، ثم يكون باطنًا غافلًا، فإن هذا لا يسوغه الاشتقاق.
1 يعني المازني، وكان له نقد لديوان"الملاح التائه".
ثم كيف يصنع في هذه الآية: {وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ} [هود: 44] ، أيسأل: وهل للأرض حلق تحركه عضلاته للبلع، وإذا كان لها حلق أفلا يجوز أن ترمي فيه فتحتاج إلى غرغرة وعلاج وطب؟
وماذا يقول في حديث البخاري:"إني لأسمع صوتًا كأنه صوت الدم، أو صوتًا يقطر منه الدم -كما في الأغاني- أيوجه الاعتراض على الصوت وجرحه ودمه، ويسأل: بماذا جرح، وما لون هذا الدم، وهل للصوت عروق فيجري الدم فيها؟"
إن الإفهام ونقل الخاطر والإحساس ليست هي البلاغة وإن كانت منها، وإلا فكتابة الصحف كلها آيات بينات في الأدب؛ إذ هي من هذه الناحية لا يقدح فيها ولا يغض منها، وما قصرت قط في نقل خاطر ولا استغلقت دون إفهام.
ههنا خوان في مطعم كمطعم"الحاتي"مثلًا عليه الشواء والملح والفلفل والكواميخ أصنافًا مصنفة، وآخر في وليمة عرس في قصر وعليه ألوانه وأزهاره، ومن فوقه الأشعة ومن حوله الأشعة الأخرى من كل مضيئة في القلب ينور وجهها الجميل، أفترى السهولة كل السهولة إلا في الأول؟ وهل التعقيد كل التعقيد إلا في الثاني؟ ولكن