فهرس الكتاب

الصفحة 999 من 1123

ويتصرف فيها ويبين عنها أحسن الإبانة بمنطقه ووجهه ونبرات في لسانه ونبرات في يده.

وهو أصمعي هذا الباب خاصة، يروي منه رواية عريضة، فإذا استهل سح بالنوادر سحًا كأنها قوافي قصيدة تدعو الواحدة منها أختها التي بعدها.

وقد أذكرتني"ألقوافي"مجلسًا حضرته قديمًا في سنة1901 أو1900، وكان"مصباح الشرق"قد نشر قصيدة رائية لابن الرومي، فتعجب المرحوم الشيخ محمد المهدي من بسطة ابن الرومي في قوافيه، فقال له"حافظ": هلم نتساجل في هذا الوزن حتى ينقطع أحدنا؛ وكانت القافية من وزن: قدرها، أحمرها، أخضرها ... الخ، وجعلت أنا أحصي عليهما؛ فلما ضاق الكلام كان الشيخ المهدي يفكر طويلًا ثم ينطق باللفظ، ولا يكاد يفعل حتى يرميه حافظ على البديهة، فيعود الرجل إلى الإطراق والتفكير؛ ثم انقطع أخيرًا وبقي حافظ يسرد له من حفظه الغريب.

* هذا البيت من قصيدة نظمها حافظ يخاطب فيها الأمريكيين، وقد أشرنا في مقالنا في المقتطف إلى أن معناه مسروق.

أما في النوادر فالعجيبة التي اتفقت له في هذا الباب أنه جاء إلى طنطا في سنة 1912 ومديرها يومئذ المرحوم"محمد محب باشا"وكان داهية ذكيًا وظريفًا لبقًا، وكنت أخالطه وأتصل به، فدعا"حافظ"إلى العشاء في داره؛ فلما مدت الأيدي قال الباشا: لي عليك شرط يا حافظ، قال: وما هو؟ قال: كل لقمة بنادرة!

فتهلل حافظ وقال: نعم، لك عليَّ ذلك، ثم أخذ يقص ويأكل، والعشاء حافل، وحافظ كان نهمًا، فما انقطع ولا أخل حتى وفى بالشرط؛ وهذا لا يمنع أن الباشا كان يتغافل ويتغاضى ويتشاغل بالضحك، فيسرع حافظ ويغالط بفمه...

ولكن هذه المضحكات أضحكت من"حافظ"مرة كما أضحكت به؛ فلما كان يترجم"مكبث"لشكسبير -وهي كأعماله الناقصة دائمًا- دعوه لإلقاء محاضرة في نادي المدارس العليا، والنادي يومئذ يجمع خير الشباب حمية وعلمًا وكان صاحب السر فيه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت