فهرس الكتاب

الصفحة 1008 من 3897

بينما الدين كله يسحق سحقًا، ويدمر من أساسه وبينما سلطان الله يغتصبه المغتصبون، وبينما الطاغوت- الذي أمروا أن يكفروا به- هو الذي يحكم حياة الناس جملة وتفصيلًا! إن اليهود الصهيونيين والنصارى الصليبيين يفركون أيديهم فرحًا بنجاح الخطة وجواز الخدعة بعد ما يئسوا من هذا الدين أن يقضوا عليه مواجهة باسم الإلحاد، أو يحولوا الناس عنه باسم التبشير، فترة طويلة من الزمان..

إلا أن الأمل في الله أكبر والثقة في هذا الدين أعمق، وهم يمكرون والله خير الماكرين. وهو الذي يقول: «وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ، وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ. فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ، إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ» ..

أما مواجهة دليل الخلق ودليل الحياة للوثة الإلحاد، فهي مواجهة قوية، لا يجد الملحدون إزاءها إلاّ المماحلة والمغالطة والالتواء:

إن وجود هذا الكون ابتداء، بهذا النظام الخاص، يستلزم- بمنطق الفطرة البديهي وبمنطق العقل الواعي على السواء- أن يكون وراءه خالق مدبر..

فالمسافة بين الوجود والعدم مسافة لا يملك الإدراك البشري أن يعبرها، إلا بتصور إله ينشئ ويخلق ويوجد هذا الوجود.

والذين يلحدون يعمدون إلى هذه الفجوة فيريدون ملأها بالمكابرة. ويقولون: إنه لا داعي لأن نفترض أنه كان هناك عدم قبل الوجود! .. ومن هؤلاء فيلسوف عرف بأنه فيلسوف «الروحية» المدافع عنها في وجه «المادية» . وعلى هذا الأساس ربما أشاد به بعض المخدوعين من «المسلمين» واستأنسوا بأقواله لدينهم كأنما ليؤازروا دين الله بقول عبد من العبيد.. هذا الفيلسوف هو «برجسون» .. اليهودي!!! إنه يقول: إن هذا الوجود الكوني لم يسبقه عدم! وإن فرض الوجود بعدم العدم ناشئ من طبيعة العقل البشري الذي لا يستطيع أن يتصور إلا على هذا النحو..

فإلى أي منطق يا ترى يستند برجسون إذن في إثبات أن الوجود الكوني لم يسبقه عدم؟

إلى العقل؟ لا. فإن العقل- كما يقرر- لا يمكن أن يتصور إلا وجودًا بعد عدم! إلى وحي من الله؟

إنه لا يدعي هذا. وإن كان يقول: إن حدس المتصوفة كان دائمًا يجد إلهًا ولا بد أن نصدق هذا الحدس المطرد (الإله الذي يتحدث عنه برجسون ليس هو الله إنما هو الحياة!) .. فأين المصدر الثالث الذي يعتمد عليه (برجسون) إذن في إثبات أن الوجود الكوني غير مسبوق بعدم؟ لا ندري! إنه لا بد من الالتجاء إلى تصور خالق خلق هذا الكون.. لا بد من الالتجاء إلى هذا التصور لتعليل مجرد وجود الكون.. فكيف إذا كان الحال أنه لم يوجد مجرد وجود. ولكنه وجد محكومًا بنواميس لا تتخلف، محسوبًا فيها كل شيء بمقاييس، قصارى العقول البشرية أن تدرك أطرافًا منها، بعد التدبر الطويل؟! «1»

(1) الهاربون من الكنيسة التي كانت تستطيل على رقاب العباد باسم «الله» كان كل همهم في القرن الثامن عشر والتاسع عشر إنكار «الله» :

ولكن «المثاليين» منهم اختاروا «العقل» ليعطوه كل خصائص الله وصفاته! و «الماديين» منهم اختاروا «الطبيعة» ليعطوها هذه الخصائص والصفات، لأنه لم يكن لهؤلاء ولا لهؤلاء مفر من افتراض شيء فوق الطاقة البشرية يكلون إليه تفسير هذا الوجود وما يجري فيه.. وفقط كانوا يريدون انكار الله. ليخلصوا من قبضة الكنيسة!!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت