والمنهج الذي يتخذه لتقرير هذا الاعتقاد في الإدراك البشري، ونوع المؤثرات واللمسات الموحية.. كلها غير معهود في طبيعة التصورات البشرية والمناهج البشرية، والطرائق البشرية في الأداء النفسي والتعبيري أيضًا..
والعرب لم يكن يخفى عليهم الشعور بهذا في قرارة نفوسهم. وأقوالهم ذاتها وأحوالهم تقرر أنهم ما كانوا يشكون في أن هذا القرآن من عند الله..
وهكذا يبدو أن هذه الاقتراحات لم تكن طلبا للبرهان إنما كانت وسيلة من وسائل الإعنات وأسلوبًا من أساليب التعنت وخطة للمماحكة والمعاندة وأنهم كانوا كما قال الله سبحانه عنهم في الآية السابقة:
«وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ، لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا: إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ» ! والحقيقة الثانية: أن العرب كانوا يعرفون الملائكة وكانوا يطلبون أن ينزل الله على رسوله ملكًا يدعو معه ويصدقه.. ولكنهم لم يكونوا يعرفون طبيعة هذا الخلق التي لا يعلمها إلا الله وكانوا يخبطون في التيه بلا دليل في تصور هذا الخلق وفي نوع علاقته بربه ونوع علاقته بالأرض وأهلها.. وقد حكى القرآن الكريم كثيرًا من ضلالات العرب وأساطير الوثنية حول الملائكة وصححها كلها لهم ليستقيم تصور من يهتدي بهذا الدين منهم وتصح معرفتهم لهذا الكون وما يعمره من خلائق. وكان الإسلام- من هذا الجانب- منهجًا لتقويم العقل والشعور، كما كان منهجًا لتقويم القلب والضمير، ومنهجًا لتقويم الأوضاع والأحوال سواء..
وحكى القرآن الكريم من أضاليل العرب ومن جهالاتهم في جاهليتهم، أنهم كانوا يظنون أن الملائكة بنات الله! سبحانه وتعالى عما يصفون! وأنهم- من ثم- لهم شفاعة عند الله لا ترد! والراجح أن بعض كبار الأصنام كانت رموزًا للملائكة! كما حكى قولهم هذا في طلبهم أن ينزل الله على رسوله ملكًا ليصدقه في دعواه..
وقد صحح لهم القرآن ضلالتهم الأولى في مواضع منه شتى. كالذي جاء في سورة النجم:
«أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى؟ وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى؟ أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى؟ تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزى! إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ، إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ، وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى. أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنَّى؟ فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى. وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى. إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى. وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ، وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا» .
كما صحح لهم ضلالتهم الثانية في تصورهم لطبيعة الملائكة في هاتين الآيتين في هذه السورة وفي مواضع أخرى كثيرة:
«وَقالُوا: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ! وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ» ..
وهذا جانب من التعريف بهذا الخلق من عباد الله.. إنهم يقترحون أن ينزل الله ملكًا. ولكن سنة الله أن ينزل الملائكة- حين ينزلون إلى الأرض على قوم كذبوا برسولهم- أن ينزلوا للتدمير عليهم، وتحقيق أمر الله فيهم بالهلاك والدمار. ولو أن الله استجاب للمشركين من العرب فأنزل ملكًا، لقضي الأمر، وتم التدمير، ولم يُنظروا إلى مهلة بعد هذا التنزيل! فهل هذا ما يريدون وما يقترحون؟ وهلا يستشعرون رحمة الله في عدم إجابتهم لما يقترحون لأنفسهم من الهلاك المبين؟! .. هكذا يقفهم السياق وجهًا لوجه أمام رحمة الله بهم وحلمه عليهم وأمام جهلهم بمصلحة أنفسهم، وجهلهم بسنة الله في تنزيل الملائكة.. وهم بهذا الجهل الذي يكاد يدمر عليهم حياتهم، يرفضون الهدى ويرفضون الرحمة ويتعنتون في طلب الدليل! والجانب الثاني من التعريف بهذا الخلق من عباد الله تتضمنه الآية الثانية: