فهرس الكتاب

الصفحة 1061 من 3897

حقيقة هذا التصور، وتهتز له لأنه يمثل حقيقة كامنة فيها، يعلم بارئها سبحانه أنها كامنة فيها ويخاطبها بها على سبيل التصور فتهتز لها وترتجف وتتعرى! وهو يسألهم ويطلب إليهم الجواب بالصدق من ألسنتهم ليكون تعبيرًا عن الصدق في فطرتهم:

«أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ.. إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» .

ثم يبادر فيقرر الجواب الصادق، المطابق لما في فطرتهم بالفعل، ولو لم تنطق به ألسنتهم:

«بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ.. فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ.. وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ» .

بل تدعونه وحده وتنسون شرككم كله! .. إن الهول يعرّي فطرتكم- حينئذ- فتتجه بطلب النجاة إلى الله وحده. وتنسى أنها أشركت به أحدًا. بل تنسى هذا الشرك ذاته.. إن معرفتها بربها هي الحقيقة المستقرة فيها فأما هذا الشرك فهو قشرة سطحية طارئة عليها، بفعل عوامل أخرى. قشرة سطحية في الركام الذي ران عليها. فإذا هزها الهول تساقط هذا الركام، وتطايرت هذه القشرة، وتكشفت الحقيقة الأصيلة، وتحركت الفطرة حركتها الفطرية نحو بارئها، ترجوه أن يكشف عنها الهول الذي لا يد لها به، ولا حيلة لها فيه..

هذا شأن الفطرة في مواجهة الهول يواجه السياق القرآني به المشركين.. فأما شأن الله- سبحانه- فيقرره في ثنايا المواجهة. فهو يكشف ما يدعونه إليه- إن شاء- فمشيئته طليقة، لا يرد عليها قيد. فإذا شاء استجاب لهم فكشف عنهم ما يدعون كله أو بعضه وإن شاء لم يستجب، وفق تقديره وحكمته وعلمه.

هذا هو موقف الفطرة من الشرك الذي تزاوله أحيانًا، بسبب ما يطرأ عليها من الانحراف، نتيجة عوامل شتى، تغطي على نصاعة الحقيقة الكامنة فيها.. حقيقة اتجاهها إلى ربها ومعرفتها بوحدانيته.. فما هو موقفها من الإلحاد وإنكار وجود الله أصلًا؟

نحن نشك شكًا عميقًا- كما قلنا من قبل- في أن أولئك الذين يمارسون الإلحاد في صورته هذه صادقون فيما يزعمون أنهم يعتقدونه. نحن نشك في أن هناك خلقًا أنشأته يد الله، ثم يبلغ به الأمر حقيقة أن ينطمس فيه تمامًا طابع اليد التي أنشأته وفي صميم كينونته هذا الطابع، مختلطًا بتكوينه متمثلًا في كل خلية وفي كل ذرة! إنما هو التاريخ الطويل من العذاب البشع، ومن الصراع الوحشي مع الكنيسة، ومن الكبت والقمع، ومن أنكار الكنيسة للدوافع الفطرية للناس مع استغراقها هي في اللذائذ المنحرفة.. إلى آخر هذا التاريخ النكد الذي عاشته أوربا قرونًا طويلة.. هو الذي دفع الأوربيين في هذه الموجة من الإلحاد في النهاية.. فرارًا في التيه، من الغول الكريه «1» .

ذلك إلى استغلال اليهود لهذا الواقع التاريخي ودفع النصارى بعيدًا عن دينهم ليسلس لهم قيادهم، ويسهل عليهم إشاعة الانحلال والشقاء فيهم، وليتيسر لهم استخدامهم- كالحمير- على حد تعبير «التلمود» و «بروتوكولات حكماء صهيون» .. وما كان اليهود ليبلغوا من هذا كله شيئًا إلا باستغلال ذلك التاريخ الأوربي النكد، لدفع الناس إلى الإلحاد هربًا من الكنيسة.

ومع كل هذا الجهد الناصب، المتمثل في محاولة «الشيوعية» - وهي إحدى المنظمات اليهودية- لنشر الإلحاد، خلال أكثر من نصف قرن، بمعرفة كل أجهزة الدولة الساحقة، فإن الشعب الروسي نفسه لم يزل

(1) يراجع بتوسع فصل: «الفصام النكد» في كتاب: «المستقبل لهذا الدين» «دار الشروق» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت