فهرس الكتاب

الصفحة 1119 من 3897

من شهواته ونزواته ومطامعه ورغباته، فضلًا على أنه موكل بطاقات الأرض التي له عليها سلطان بسبب تسخيرها له من الله، وليس موكلًا بتصور الوجود تصورًا مطلقًا، ولا بصياغة الأسس الثابتة للحياة. فهذا مجال العقيدة التي تأتي له من الله فتنشىء له تصورًا سليمًا للوجود والحياة.. ومن ثم لا يكله الله إلى هذا العقل وحده، ولا يكله كذلك إلى ما أودع فطرته من معرفة لدنية بربها الحق، وشوق إليه، ولياذ به في الشدائد..

فهذه الفطرة قد تفسد كذلك بسبب ما يقع عليها من ضغوط داخلية وخارجية، وبسبب الإغواء والاستهواء الذي يقوم به شياطين الجن والإنس، بكل ما يملكون من أجهزة التوجيه والتأثير.. إنما يكل الله الناس إلى وحيه ورسله وهداه وكتبه، ليرد فطرتهم إلى استقامتها وصفائها، وليرد عقولهم إلى صحتها وسلامتها، وليجلو عنهم غاشية التضليل من داخل أنفسهم ومن خارجها.. وهذا هو الذي يليق بكرم الله وفضله، ورحمته وعدله، وحكمته وعلمه.. فما كان ليخلق البشر، ثم يتركهم سدى.. ثم يحاسبهم يوم القيامة ولم يبعث فيهم رسولًا:

«وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا» «1» .. فتقدير الله حق قدره يقتضي الاعتقاد بأنه أرسل إلى عباده رسلا يستنقذون فطرتهم من الركام، ويساعدون عقولهم على الخلاص من الضغوط، والانطلاق للنظر الخالص والتدبر العميق. وأنه أوحى إلى هؤلاء الرسل منهج الدعوة إلى الله، وأنزل على بعضهم كتبًا تبقى بعدهم في قومهم إلى حين- ككتب موسى وداود وعيسى- أو تبقى إلى آخر الزمان كهذا القرآن.

ولما كانت رسالة موسى معروفة بين العرب في الجزيرة، وكان أهل الكتاب معروفين هناك، فقد أمر الله رسوله أن يواجه المشركين المنكرين لأصل الرسالة والوحي بتلك الحقيقة:

«قُلْ: مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُورًا وَهُدىً لِلنَّاسِ- تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيرًا- وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ» ..

وقد عرضنا في تقديم السورة للقول بأن هذه الآية مدنية، وأن المخاطبين بها هم اليهود. ثم ذكرنا هناك ما اختاره ابن جرير الطبري من القراءة الأخرى «يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون كثيرًا» .. وأن المخاطبين بها هم المشركون، وهذا خبر عن اليهود بما كان واقعًا منهم من جعل التوراة في صحائف يتلاعبون بها، فيبدون منها للناس ما يتفق مع خطتهم في التضليل والخداع، والتلاعب بالأحكام والفرائض ويخفون ما لا يتفق مع هذه الخطة من صحائف التوراة! مما كان العرب يعلمون بعضه وما أخبرهم الله به في هذا القرآن من فعل اليهود.. فهذا خبر عن اليهود معترض في سياق الآية لا خطابًا لهم.. والآية على هذا مكية لا مدنية..

ونحن نختار ما اختاره ابن جرير.

فقل لهم يا محمد: من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورًا وهدى للناس، مما يجعله اليهود صحائف يخفون بعضها ويظهرون بعضها قضاء للباناتهم من وراء هذا التلاعب الكريه! كذلك واجههم بأن الله علمهم بما يقص عليهم من الحقائق والأخبار ما لم يكونوا يعلمون فكان حقًا عليهم أن يشكروا فضل الله ولا ينكروا أصله بإنكار أن الله نزل هذا العلم على رسوله وأوحى به إليه.

ولم يترك لهم أن يجيبوا على ذلك السؤال. إنما أمر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أن يحسم القول معهم في هذا الشأن وألا يجعله مجالًا لجدل لا يثيره إلا اللجاج:

(1) يراجع بتوسع تفسير قوله تعالى: «رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ» .. في سورة النساء. الجزء السادس من الظلال ص 805- 812 وفصل «تخبط واضطراب» في كتاب: «الإسلام ومشكلات الحضارة» . «دار الشروق» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت