فهرس الكتاب

الصفحة 1246 من 3897

وهي وقفة في مواجهة المعركة التي بانت طلائعها بين الشيطان والبشرية. وقفة للتحذير من أساليب الشيطان ومداخله ولكشف خطته ما كان منها وما يكون متمثلًا في صور وأشكال شتى..

ولكن المنهج القرآني لا يعرض توجيهًا إلا لمواجهة حالة قائمة ولا يقص قصصًا إلا لأن له موقعًا في واقع الحركة الإسلامية.. إنه كما قلنا لا يعرض قصصًا لمجرد المتاع الفني! ولا يقرر حقيقة لمجرد عرضها النظري..

إن واقعية الإسلام وجديته تجعلان توجيهاته وتقريراته، لمواجهة حالات واقعة بالفعل في مواجهة الحركة الإسلامية.

وقد كان واقع الجاهلية العربية هو الذي يواجهه التعقيب هنا عقب المرحلة الأولى من قصة البشرية الكبرى..

كانت قريش قد ابتدعت لنفسها حقوقًا على بقية مشركي العرب الذين يفدون لحج بيت الله- الذي جعلوه بيتًا للأصنام وسدنتها! - وأقامت هذه الحقوق على تصورات اعتقادية زعمت أنها من دين الله وصاغتها في شرائع، زعمت أنها من شرع الله! وذلك لتخضع لها أعناق المشركين كما يصنع السدنة والكهنة والرؤساء في كل جاهلية على وجه التقريب.. وكانت قريش سمت نفسها اسمًا خاصًا وهو «الحُمس» وجعلوا لأنفسهم حقوقًا ليست لسائر العرب. ومن هذه الحقوق- فيما يختص بالطواف بالبيت- أنهم هم وحدهم لهم حق الطواف في ثيابهم. فأما بقية العرب فلا تطوف في ثياب لبستها من قبل. فلا بد أن تستعير من ثياب الحمس للطواف أو تستجد ثيابًا لم تلبسها من قبل وإلا طافوا عرايا وفيهم النساء! قال ابن كثير في التفسير: (كانت العرب- ما عدا قريشًا- لا يطوفون بالبيت في ثيابهم التي لبسوها، يتأولون في ذلك أنهم لا يطوفون في ثياب عصوا الله فيها! وكانت قريش- وهم الحمس- يطوفون في ثيابهم.

ومن أعاره أحمسي ثوبًا طاف فيه ومن معه ثوب جديد طاف فيه. ثم يلقيه فلا يتملكه أحد! ومن لم يجد ثوبًا جديدًا، ولا أعاره أحمسي ثوبًا طاف عريانًا! وربما كانت امرأة فتطوف عريانة، فتجعل على فرجها شيئًا ليستره بعض الستر.. وأكثر ما كان النساء يطفن عراة بالليل. وكان هذا شيئًا قد ابتدعوه من تلقاء أنفسهم، واتبعوا فيه آباءهم، ويعتقدون أن فعل آبائهم مستند إلى أمر من الله وشرع فأنكر الله تعالى عليهم ذلك فقال: «وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا: وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها» .. فقال تعالى ردًا عليهم: «قل» .

أي يا محمد لمن ادعى ذلك. «إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ» أي هذا الذي تصنعونه فاحشة منكرة، والله لا يأمر بمثل ذلك. «أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ» .. أي أتسندون إلى الله من الأقوال ما لا تعلمون صحته.

وقوله تعالى: «قُلْ: أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ» .. أي بالعدل. والاستقامة: «وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ، وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ» .. أي أمركم بالاستقامة في عبادته في محالها، وهي متابعة المرسلين المؤيدين بالمعجزات فيما أخبروا به عن الله، وما جاءوا به من الشرائع، وبالإخلاص له في عبادته. فإنه تعالى لا يتقبل العمل حتى يجمع هذين الركنين: (أي أن يكون صوابًا موافقًا للشريعة، وأن يكون خالصًا من الشرك) .

ففي مواجهة هذا الواقع الجاهلي في شؤون التشريع للعبادة والطواف واللباس- مضافًا إليه ما يختص بتقاليد كهذه في الطعام يزعمون أنها من شرع الله وليست من شرع الله- في مواجهة هذا الواقع جاءت تلك التعقيبات على قصة البشرية الأولى. وجاء ذكر الأكل من ثمر الجنة- إلا ما حرم الله- وجاء ذكر اللباس خاصة، ونزع الشيطان له عن آدم وزوجه بإغوائه لهما بتناول المحظور وجاء ذكر حيائهما الفطري من كشف السوآت، وخصفهما على سوآتهما من ورق الجنة..

فما ذكر من أحداث القصة، وما جاء في التعقيب الأول عليها، هو مواجهة واقعية لواقع معين في الجاهلية..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت