فهرس الكتاب

الصفحة 137 من 3897

قال البخاري: حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا سفيان، عن عاصم بن سليمان: قال سألت أنسًا عن الصفا والمروة قال: كنا نرى أنهما من أمر الجاهلية. فلما جاء الإسلام أمسكنا عنهما، فأنزل الله عز وجل:

«إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ» .. وقال الشعبي: كان أساف على الصفا، وكانت نائلة على المروة، وكانوا يستلمونهما فتحرجوا بعد الإسلام من الطواف بينهما، فنزلت هذه الآية.

ولم يرد تحديد لتاريخ نزول هذه الآية. والأرجح أنها نزلت متأخرة عن الآيات الخاصة بتحويل القبلة.

ومع أن مكة قد أصبحت دار حرب بالنسبة للمسلمين، فإنه لا يبعد أن بعض المسلمين كانوا يتمكنون أفرادًا من الحج ومن العمرة. وهؤلاء هم الذين تحرجوا من الطواف بين الصفا والمروة.. وكان هذا التحرج ثمرة التعليم الطويل، ووضوح التصور الإيماني في نفوسهم، هذا الوضوح الذي يجعلهم يتحرزون ويتوجسون من كل أمر كانوا يزاولونه في الجاهلية. إذ أصبحت نفوسهم من الحساسية في هذه الناحية بحيث تفزع من كل ما كان في الجاهلية، وتتوجس أن يكون منهيًا عنه في الإسلام. الأمر الذي ظهر بوضوح في مناسبات كثيرة..

كانت الدعوة الجديدة قد هزت أرواحهم هزًا وتغلغلت فيها إلى الأعماق، فأحدثت فيها انقلابًا نفسيًا وشعوريًا كاملًا، حتى لينظرون بجفوة وتحرز إلى ماضيهم في الجاهلية ويحسون أن هذا شطر من حياتهم قد انفصلوا عنه انفصالًا كاملًا، فلم يعد منهم، ولم يعودوا منه وعاد دنسًا ورجسًا يتحرزون من الإلمام به! وإن المتابع لسيرة هذه الفترة الأخيرة في حياة القوم ليحس بقوة أثر هذه العقيدة العجيب في تلك النفوس.

يحس التغير الكامل في تصور هم للحياة. حتى لكأن الرسول- صلى الله عليه وسلم- قد أمسك بهذه النفوس فهزها هزة نفضت عنها كل رواسبها، وأعادت تأليف ذراتها على نسق جديد كما تصنع الهزة الكهربية في تأليف ذرات الأجسام على نسق آخر غير الذي كان! وهذا هو الإسلام.. هذا هو: انسلاخًا كاملًا عن كل ما في الجاهلية، وتحرجًا بالغًا من كل أمر من أمور الجاهلية، وحذرًا دائمًا من كل شعور وكل حركة كانت النفس تأتيها في الجاهلية. حتى يخلص القلب للتصور الجديد بكل ما يقتضيه.. فلما أن تم هذا في نفوس الجماعة المسلمة أخذ الإسلام يقرر ما يريد الإبقاء عليه من الشعائر الأولى، مما لا يرى فيه بأسًا. ولكن يربطه بعروة الإسلام بعد أن نزعه وقطعه عن أصله الجاهلي. فإذا أتاه المسلم فلا يأتيه لأنه كان يفعله في الجاهلية ولكن لأنه شعيرة جديدة من شعائر الإسلام، تستمد أصلها من الإسلام.

وهنا نجد مثالا من هذا المنهج التربوي العميق. إذ يبدأ القرآن بتقرير أن الصفا والمروة من شعائر الله:

«إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ» ..

فإذا أطوف بهما مطوف، فإنما يؤدي شعيرة من شعائر الله وإنما يقصد بالطواف بينهما إلى الله. ولقد انقطع ما بين هذا الطواف الجديد وطواف الجاهلية الموروث وتعلق الأمر بالله- سبحانه- لا بأساف ونائلة وغيرهما من أصنام الجاهلية! ومن ثم فلا حرج ولا تأثم. فالأمر غير الأمر، والاتجاه غير الاتجاه:

«فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما» ..

وقد أقر الإسلام معظم شعائر الحج التي كان العرب يؤدونها، ونفى كل ما يمت إلى الأوثان وإلى أوهام الجاهلية، وربط الشعائر التي أقرها بالتصور الإسلامي الجديد، بوصفها شعائر إبراهيم التي علمه ربه إياها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت