ولما كان الحديث عن قصة الانحراف في النفس- ذلك المتمثل في قصة الزوجين- هو حديث كل شرك! والمقصود به هو تنبيه أولئك الذين كانوا يخاطبون بهذا القرآن أول مرة، إلى سخف ما هم عليه من الشرك، واتخاذ تلك الآلهة التي لا تخلق شيئًا بل هي تخلق، ولا تنصر عبادها بل لا تملك لأنفسها نصرًا، سواء أكانت من البشر أم من غيرهم، فهي كلها لا تخلق ولا تنصر- لما كان هذا هو اتجاه السياق القرآني، فإنه ينتقل من القصة ومن أسلوب الحكاية في الفقرة السابقة، إلى مواجهة مشركي العرب وإلى أسلوب الخطاب انتقالًا مباشرًا، كأنه امتداد للحديث السابق عليه عن تلك الآلهة! «وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ، سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ. إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ. فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها؟ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها؟ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها؟ أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها؟» .
لقد كانت وثنية مشركي العرب وثنية ساذجة- كما أسلفنا- سخيفة في ميزان العقل البشري في أية مرحلة من مراحلة! ومن ثم كان القرآن ينبه فيهم هذا العقل وهو يواجههم بسخافة ما يزاولونه من الشرك بمثل هذه الآلهة.
إن أصنامهم هذه الساذجة بهيئتها الظاهرة: ليس لها أرجل تمشي بها، وليس لها أيد تبطش بها. وليس لها أعين تبصر بها، وليس لها آذان تسمع بها.. هذه الجوارح التي تتوافر لهم هم. فكيف يعبدون ما هو دونهم من هذه الأحجار الهامدة؟
فأما ما يرمزون إليه بهذه الأصنام من الملائكة حينًا، ومن الآباء والأجداد حينًا.. فهم عباد أمثالهم من خلق الله مثلهم. لا يخلقون شيئًا وهم يخلقون، ولا يملكون لهم نصرًا ولا أنفسهم ينصرون! والازدواج في عقائد مشركي العرب بين الأصنام الظاهرة، والرموز الباطنة هو- فيما نحسب- سبب مخاطبتهم هكذا عن هذه الآلهة: مرة بضمير العاقل ملحوظًا فيها ما وراء الأصنام من الرمز، ومرة بالإشارة المباشرة إلى الأصنام ذاتها، وأنها فاقدة للحياة والحركة! وهي في مجموعها ظاهرة البطلان في منطق العقل البشري ذاته، الذي يوقظه القرآن، ويرفعه عن هذه الغفلة المزرية! وفي نهاية هذه المحاجة يوجه الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم: أن يتحداهم ويتحدى آلهتهم العاجزة- كلها- وأن يعلن عن عقيدته الناصعة في تولي الله- وحده- له:
«قُلِ: ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ. إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ، وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ. وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ.. وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا، وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ» ..
إنها كلمة صاحب الدعوة، في وجه الجاهلية.. ولقد قالها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كما أمره ربه وتحدى بها المشركين في زمانه وآلهتهم المدعاة:
«قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ» ..
لقد قذف في وجوههم ووجوه آلهتهم المدعاة بهذا التحدي.. وقال لهم: ألا يألوا جهدًا في جمع كيدهم وكيد آلهتهم بلا إمهال ولا إنظار! وقالها في لهجة الواثق المطمئن إلى السند الذي يرتكن إليه. ويحتمي به من كيدهم جميعًا: