وتهدأ العاصفة، ويخيم السكون، ويقضى الأمر، ويتمشى الاستقرار كذلك في الألفاظ وفي إيقاعها في النفس والأذن:
«وَقِيلَ: يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ، وَيا سَماءُ أَقْلِعِي، وَغِيضَ الْماءُ، وَقُضِيَ الْأَمْرُ، وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ، وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ» ..
ويوجه الخطاب إلى الأرض وإلى السماء بصيغة العاقل، فتستجيب كلتاهما للأمر الفاصل فتبلع الأرض، وتكف السماء:
«وَقِيلَ: يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي» ..
«وَغِيضَ الْماءُ» ..
ابتلعته الأرض في جوفها وغار من سطحها.
«وَقُضِيَ الْأَمْرُ» ..
ونفذ القضاء «وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ» ..
ورست رسو استقرار على جبل الجودي..
«وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ» ..
وهي جملة مختصرة حاسمة معبرة عن جوها أعمق تعبير.. «قيل» على صيغة المجهول فلا يذكر من قال، من قبيل لف موضوعهم ومواراته:
«وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ» ..
بعدًا لهم من الحياة فقد ذهبوا، وبعدًا لهم من رحمة الله فقد لعنوا، وبعدًا لهم من الذاكرة فقد انتهوا..
وما عادوا يستحقون ذكرًا ولا ذكرى! والآن وقد هدأت العاصفة، وسكن الهول، واستوت على الجودي. الآن تستيقظ في نفس نوح لهفة الوالد المفجوع:
«وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ، فَقالَ: رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي، وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ، وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ» .
رب إن ابني من أهلي، وقد وعدتني بنجاة أهلي، وإن وعدك الحق، وأنت أحكم الحاكمين. فلا تقضي إلا عن حكمة وتدبير..
قالها يستنجز ربه وعده في نجاة أهله، ويستنجزه حكمته في الوعد والقضاء..
وجاءه الرد بالحقيقة التي غفل عنها. فالأهل- عند الله وفي دينه وميزانه- ليسوا قرابة الدم، إنما هم قرابة العقيدة. وهذا الولد لم يكن مؤمنًا، فليس إذن من أهله وهو النبي المؤمن.. جاءه الرد هكذا في قوة وتقرير وتوكيد وفيما يشبه التقريع والتأنيب والتهديد:
«قالَ: يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ، إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ، فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ. إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ» ..