فهرس الكتاب

الصفحة 1847 من 3897

مجال تفسير النصوص القرآنية مرورًا عابرًا لمتابعة السياق. وهي تحتاج إلى وقفات امامها أطول في حدود الإجمال:

نقف أمام الدعوة الواحدة الخالدة على لسان كل رسول وفي كل رسالة.. دعوة توحيد العبادة والعبودية لله، المتمثلة فيما يحكيه القرآن الكريم عن كل رسول: «قالَ: يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ» ..

ولقد كنا دائمًا نفسر «العبادة» لله وحده بأنها «الدينونة الشاملة» لله وحده. في كل شأن من شؤون الدنيا والآخرة. ذلك أن هذا هو المدلول الذي تعطيه اللفظة في أصلها اللغوي.. فإن «عبد» معناها: دان وخضع وذلل. وطريق معبد طريق مذلل ممهد. وعبّده جعله عبدًا أي خاضعًا مذللًا.. ولم يكن العربي الذي خوطب بهذا القرآن اول مرة يحصر مدلول هذا اللفظ وهو يؤمر به في مجرد أداء الشعائر التعبدية. بل إنه يوم خوطب به أول مرة في مكة لم تكن قد فرضت بعد شعائر تعبدية! إنما كان يفهم منه عند ما يخاطب به ان المطلوب منه هو الدينونة لله وحده في أمره كله وخلع الدينونة لغير الله من عنقه في كل أمره.. ولقد فسر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «العبادة» نصًا بأنها هي «الاتباع» وليست هي الشعائر التعبدية. وهو يقول لعدي ابن حاتم عن اليهود والنصارى واتخاذهم الأحبار والرهبان أربابًا: «بلى. إنهم أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال. فاتبعوهم. فذلك عبادتهم إياهم» .. إنما أطلقت لفظة «العبادة» على «الشعائر التعبدية» باعتبارها صورة من صور الدينونة لله في شأن من الشؤون.. صورة لا تستغرق مدلول «العبادة» بل إنها تجيء بالتبعية لا بالأصالة! فلما بهت مدلول «الدين» ومدلول «العبادة» في نفوس الناس صاروا يفهمون أن عبادة غير الله التي يخرج بها الناس من الإسلام إلى الجاهلية هي فقط تقديم الشعائر التعبدية لغير الله، كتقديمها للأصنام والأوثان مثلًا! وأنه متى تجنب الإنسان هذه الصورة فقد بعد عن الشرك والجاهلية وأصبح «مسلمًا» لا يجوز تكفيره! وتمتع بكل ما يتمتع به المسلم في المجتمع المسلم من صيانة دمه وعرضه وماله ... إلى أخر حقوق المسلم على المسلم! وهذا وهم باطل، وانحسار وانكماش، بل تبديل وتغيير في مدلول لفظ «العبادة» التي يدخل بها المسلم في الإسلام أو يخرج منه- وهذا المدلول هو الدينونة الكاملة لله في كل شأن ورفض الدينونة لغير الله في كل شأن. وهو المدلول الذي تفيده اللفظة في أصل اللغة والذي نص عليه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- نصًا وهو يفسر قول الله تعالى: «اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ» .. وليس بعد تفسير رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لمصطلح من المصطلحات قول لقائل «1» .

هذه الحقيقة هي التي قررناها كثيرًا في هذه الظلال وفي غيرها في كل ما وفقنا الله لكتابته حول هذا الدين وطبيعته ومنهجه الحركي «2» .. فالآن نجد في قصة هود كما تعرضها هذه السورة لمحة تحدد موضوع القضية ومحور المعركة التي كانت بين هود وقومه وبين الإسلام الذي جاء به والجاهلية التي كانوا عليها وتحدد ما الذي كان يعنيه وهو يقول لهم: «يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ» ..

إنه لم يكن يعني: يا قوم لا تتقدموا بالشعائر التعبدية لغير الله! كما يتصور الذين انحسر مدلول «العبادة»

(1) يراجع البحث القيم الذي كتبه المسلم العظيم الأستاذ السيد أبو الأعلى المودودي أمير الجماعة الإسلامية بباكستان بعنوان: «المصطلحات الأربعة في القرآن» .. «الإله. الرب. الدين. العبادة» .

(2) كتاب: «معالم في الطريق» وكتاب: «خصائص التصور الإسلامي ومقوماته» وكتاب: «هذا الدين» وكتاب: «المستقبل لهذا الدين» وكتاب: «الإسلام ومشكلات الحضارة» وكتاب: «العدالة الاجتماعية» وكتاب: «السلام العالمي والإسلام» . نشر «دار الشروق» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت