وهم ينفونها، ويكادون يتهكمون بها. فلم يكن من المستساغ أن يذهبوا في الصباح ليتركوا يوسف للذئب الذي حذرهم أبوهم منه أمس! وبمثل هذا التسرع جاءوا على قميصه بدم كذب لطخوه به في غير إتقان. فكان ظاهر الكذب حتى ليوصف بأنه كذب..
فعلوا هذا.
«وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ قالُوا: يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ» ..
ويحسون أنها مكشوفة، ويكاد المريب أن يقول خذوني، فيقولون:
«وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ» ..
أي وما أنت بمطمئن لما نقوله، ولو كان هو الصدق، لأنك تشك فينا ولا تطمئن لما نقول.
وأدرك يعقوب من دلائل الحال، ومن نداء قلبه، أن يوسف لم يأكله الذئب، وأنهم دبروا له مكيدة ما.
وأنهم يلفقون له قصة لم تقع، ويصفون له حالًا لم تكن، فواجههم بأن نفوسهم قد حسنت لهم أمرًا منكرًا وذللته ويسرت لهم ارتكابه وأنه سيصبر متحملًا متجملًا لا يجزع ولا يفزع ولا يشكو، مستعينًا بالله على ما يلفقونه من حيل وأكاذيب:
«قالَ: بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا. فَصَبْرٌ جَمِيلٌ. وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ» .
ثم لنعد سريعًا إلى يوسف في الجب، لنرى المشهد الأخير في هذه الحلقة الأولى من حلقات القصة:
«وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ، فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ، فَأَدْلى دَلْوَهُ قالَ: يا بُشْرى. هذا غُلامٌ. وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ. وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ، وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ» ..
لقد كان الجب على طريق القوافل، التي تبحث عن الماء في مظانه، في الآبار وفي مثل هذا الجب الذي ينزل فيه ماء المطر ويبقى فترة، ويكون في بعض الأحيان جافًا كذلك:
«وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ» ..
أي قافلة سميت سيارة من السير الطويل كالكشافة والجوالة والقناصة ...
«فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ» ..
أي من يرد لهم الماء ويكون خبيرًا بمواقعه..
«فَأَدْلى دَلْوَهُ» ..
لينظر الماء أو ليملأ الدلو- ويحذف السياق حركة يوسف في التعلق بالدلو احتفاظًا بالمفاجأة القصصية للقارىء والسامع-:
«قالَ: يا بُشْرى! هذا غُلامٌ!» ..
ومرة أخرى يحذف السياق كل ما حدث بعد هذا وما قيل، وحال يوسف، وكيف ابتهج للنجاة، ليتحدث عن مصيره مع القافلة:
«وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً» ..