فهرس الكتاب

الصفحة 3684 من 3897

وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتابًا. فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذابًا»

ومشهد النعيم كذلك وهو يتدفق تدفقا: «إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازًا: حَدائِقَ وَأَعْنابًا، وَكَواعِبَ أَتْرابًا، وَكَأْسًا دِهاقًا، لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا وَلا كِذَّابًا. جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِسابًا» .

وتختم السورة بإيقاع جليل في حقيقته وفي المشهد الذي يعرض فيه. وبإنذار وتذكير قبل أن يجيء اليوم الذي يكون فيه هذا المشهد الجليل: «رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطابًا. يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَوابًا. ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ. فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآبًا. إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذابًا قَرِيبًا. يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ، وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا» ..

ذلك هو النبأ العظيم. الذي يتساءلون عنه. وذلك ما سيكون يوم يعلمون ذلك النبأ العظيم! «عَمَّ يَتَساءَلُونَ؟ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ. الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ. كَلَّا! سَيَعْلَمُونَ. ثُمَّ كَلَّا! سَيَعْلَمُونَ» .. مطلع فيه استنكار لتساؤل المتسائلين، وفيه عجب أن يكون هذا الأمر موضع تساؤل. وقد كانوا يتساءلون عن يوم البعث ونبأ القيامة. وكان هو الأمر الذي يجادلون فيه أشد الجدل، ولا يكادون يتصورون وقوعه، وهو أولى شيء بأن يكون! «عَمَّ يَتَساءَلُونَ؟» .. وعن أي شيء يتحدثون؟ ثم يجيب. فلم يكن السؤال بقصد معرفة الجواب منهم.

إنما كان للتعجيب من حالهم وتوجيه النظر إلى غرابة تساؤلهم، بكشف الأمر الذي يتساءلون عنه وبيان حقيقته وطبيعته:

«عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ، الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ» .. ولم يحدد ما يتساءلون عنه بلفظه، إنما ذكره بوصفه.. النبأ العظيم.. استطرادا في أسلوب التعجيب والتضخيم.. وكان الخلاف على اليوم بين الذين آمنوا به والذين كفروا بوقوعه. أما التساؤل فكان من هؤلاء وحدهم.

ثم لا يجيب عن التساؤل، ولا يدلي بحقيقة النبأ المسئول عنه. فيتركه بوصفه.. العظيم.. وينتقل إلى التلويح بالتهديد الملفوف، وهو أوقع من الجواب المباشر، وأعمق في التخويف:

«كَلَّا! سَيَعْلَمُونَ. ثُمَّ كَلَّا! سَيَعْلَمُونَ» .. ولفظ كلا، يقال في الردع والزجر فهو أنسب هنا للظل الذي يراد إلقاؤه. وتكراره وتكرار الجملة كلها فيه من التهديد ما فيه.

ثم يبعد في ظاهر الأمر عن موضوع ذلك النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون. ليلتقي به بعد قليل. يبعد في جولة قريبة في هذا الكون المنظور مع حشد من الكائنات والظواهر والحقائق والمشاهد، تهز الكيان حين يتدبرها الجنان:

«أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهادًا؟ وَالْجِبالَ أَوْتادًا؟ وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجًا؟ وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتًا؟ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباسًا؟ وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشًا؟ وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدادًا؟ وَجَعَلْنا سِراجًا وَهَّاجًا؟ وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجًا؟ لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتًا، وَجَنَّاتٍ أَلْفافًا؟» ..

وهذه الجولة التي تتنقل في أرجاء هذا الكون الواسع العريض، مع هذا الحشد الهائل من الصور والمشاهد، تذكر في حيز ضيق مكتنز من الألفاظ والعبارات، مما يجعل إيقاعها في الحس حادا ثقيلا نفاذا، كأنه المطارق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت