يحس أنه يحدث قريبًا ودودًا سميعًا مجيبًا.
«وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ. وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ» ..
وهي الكلمة الأخيرة حيث تودع الأم هديتها بين يدي ربها، وتدعها لحمايته ورعايته، وتعيذها به هي وذريتها من الشيطان الرجيم..
وهذه كذلك كلمة القلب الخالص، ورغبة القلب الخالص. فما تود لوليدتها أمرًا خيرًا من أن تكون في حياطة الله من الشيطان الرجيم! 37- «فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ، وَأَنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا» ..
جزاء هذا الإخلاص الذي يعمر قلب الأم، وهذا التجرد الكامل في النذر.. وإعدادًا لها أن تستقبل نفخة الروح، وكلمة الله، وأن تلد عيسى- عليه السلام- على غير مثال من ولادة البشر.
«وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا» ..
أي جعل كفالتها له، وجعله أمينًا عليها.. وكان زكريا رئيس الهيكل اليهودي. من ذرية هارون الذين صارت إليهم سدانة الهيكل.
ونشأت مباركة مجدودة. يهيئ لها الله من رزقه فيضًا من فيوضاته:
«كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقًا. قالَ: يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا؟ قالَتْ: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ» ..
ولا نخوض نحن في صفة هذا الرزق كما خاضت الروايات الكثيرة. فيكفي أن نعرف أنها كانت مباركة يفيض من حولها الخير ويفيض الرزق من كل ما يسمى رزقًا. حتى ليعجب كافلها- وهو نبي- من فيض الرزق. فيسألها: كيف ومن أين هذا كله؟ فلا تزيد على أن تقول في خشوع المؤمن وتواضعه واعترافه بنعمة الله وفضله، وتفويض الأمر إليه كله:
«هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ» ..
وهي كلمة تصور حال المؤمن مع ربه، واحتفاظه بالسر الذي بينه وبينه. والتواضع في الحديث عن هذا السر، لا التنفج به والمباهاة! كما أن ذكر هذه الظاهرة غير المألوفة التي تثير عجب نبي الله زكريا. هي التمهيد للعجائب التي تليها في ميلاد يحيى وميلاد عيسى..
38-عندئذ تحركت في نفس زكريا، الشيخ الذي لم يوهب ذرية، تحركت تلك الرغبة الفطرية القوية في النفس البشرية. الرغبة في الذرية. في الامتداد. في الخلف.. الرغبة التي لا تموت في نفوس العباد الزهاد، الذين وهبوا أنفسهم للعبادة ونذروها للهيكل. إنها الفطرة التي فطر الله الناس عليها، لحكمة عليا في امتداد الحياة وارتقائها:
«هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ. قالَ: رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً. إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ.. فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ- وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ- أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى، مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ، وَسَيِّدًا وَحَصُورًا، وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ.. قالَ: رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ، وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ. قالَ: كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ. قالَ: رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً. قالَ: آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا، وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ» ..