فهرس الكتاب

الصفحة 590 من 3897

ومن ثم فإن الجاهلية تحرم أو تحلل، فيصدر هذا التحريم والتحليل عنها باطلًا بطلانًا أصليًا، غير قابل للتصحيح، لأنه لا وجود له منذ الابتداء. فإذا جاء الإسلام إلى ما أحلت الجاهلية أو حرمت، فهو يحكم ابتداء ببطلانه كلية بطلانًا أصليًا، ويعتبره كله غير قائم. بما أنه صادر من جهة لا تملك إصداره- لأنها ليست إلهًا- ثم يأخذ هو في إنشاء أحكامه إنشاء. فإذا أحل شيئًا كانت الجاهلية تحله، أو حرم شيئا كانت الجاهلية تحرمه، فهو ينشئ هذه الأحكام ابتداء. ولا يعتبر هذا منه اعتمادًا لأحكام الجاهلية التي أبطلها كلها، لأنها هي باطلة، لم تصدر من الجهة التي تملك وحدها إصدار هذه الأحكام.. وهي الله..

هذه النظرية الإسلامية في الحل والحرمة تشمل كل شيء في الحياة الإنسانية، ولا يخرج عن نطاقها شيء في هذه الحياة.. إنه ليس لأحد غير الله أن يحل أو يحرم، في نكاح، ولا في طعام، ولا في شراب، ولا في لباس، ولا في حركة، ولا في عمل، ولا في عقد، ولا في تعامل، ولا في ارتباط، ولا في عرف، ولا في وضع.. إلا أن يستمد سلطانه من الله، حسب شريعة الله.

وكل جهة أخرى تحرم أو تحلل شيئًا في حياة البشر- كبر أم صغر- تصدر أحكامها باطلة بطلانًا أصليًا، غير قابل للتصحيح المستأنف. وليس مجيء هذه الأحكام في الشريعة الإسلامية تصحيحًا واعتمادًا لما كان منها في الجاهلية. إنما هو إنشاء مبتدأ لهذه الأحكام، مستند إلى المصدر الذي يملك إنشاء الأحكام.

وهكذا أنشأ الإسلام أحكامه في الحل والحرمة، وهكذا أقام الإسلام أو ضاعه وأنظمته. وهكذا نظم الإسلام شعائره وتقاليده. مستندًا في إنشائها إلى سلطانه الخاص.

لقد عني القرآن بتقرير هذه النظرية، وكرر الجدل مع الجاهليين في كل ما حرموه وما حللوه.. عني بتقرير المبدأ. فكان يسأل في استنكار: «قُلْ: مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ؟» ..

«قُلْ: تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ» .. «قُلْ: لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ ... إلخ» ..

وكان يردهم بهذه الاستنكارات إلى ذلك المبدأ الأساسي. وهو أن الذي يملك حق التحريم والتحليل هو الله وحده. وليس ذلك لأحد من البشر.. لا فرد ولا طبقة ولا أمة، ولا الناس أجمعين.. إلا بسلطان من الله.

وفق شريعة الله.. والتحليل والتحريم- أي الحظر والإباحة- هو الشريعة، وهو الدين. فالذي يحلل ويحرم هو صاحب الدين الذي يدين الناس. فإن كان الذي يحرم ويحلل هو الله، فالناس إذن يدينون لله، وهم إذن في دين الله. وإن كان الذي يحرم أو يحلل أحدًا غير الله، فالناس إذن يدينون لهذا الأحد وهم إذن في دينه لا في دين الله.

والمسألة على هذا الوضع هي مسألة الألوهية وخصائصها. وهي مسألة الدين ومفهومه. وهي مسألة الإيمان وحدوده.. فلينظر المسلمون في أنحاء الأرض أين هم من هذا الأمر؟ أين هم من الدين؟ وأين هم من الإسلام..

إن كانوا ما يزالون يصرون على ادعائهم للإسلام!!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت