فهرس الكتاب

الصفحة 715 من 3897

إذا اطمأنت نفوسهم إليه- لأنه أقرب إلى جو التعاطف والتسامح في المجتمع المسلم.

«وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ- إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا» ..

والحالة الثانية: أن يقع القتل على مؤمن وأهله محاربون للإسلام في دار الحرب.. وفي هذه الحالة يجب تحرير رقبة مؤمنة لتعويض النفس المؤمنة التي قتلت، وفقدها الإسلام. ولكن لا يجوز أداء دية لقومه المحاربين، يستعينون بها على قتال المسلمين! ولا مكان هنا لاسترضاء أهل القتيل وكسب مودتهم، فهم محاربون، وهم عدو للمسلمين.

والحالة الثالثة: أن يقع القتل على مؤمن قومه معاهدون- عهد هدنة أو عهد ذمة- ولم ينص على كون المقتول مؤمنًا في هذه الحالة. مما جعل بعض المفسرين والفقهاء يرى النص على إطلاقه. ويرى الحكم بتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله- المعاهدين- ولو لم يكن مؤمنًا. لأن عهدهم مع المؤمنين يجعل دماءهم مصونة كدماء المسلمين.

ولكن الذي يظهر لنا أن الكلام ابتداء منصب على قتل المؤمن. «وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً» ..

ثم بيان للحالات المتنوعة التي يكون فيها القتيل مؤمنًا. وإذا كان قد نص في الحالة الثانية فقال: «فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ- وَهُوَ مُؤْمِنٌ» فقد كان هذا الاحتراز مرة أخرى بسبب ملابسة أنه من قوم عدو. ويؤيد هذا الفهم النص على تحرير رقبة مؤمنة في هذه الحالة الثالثة. مما يوحي بأن القتيل مؤمن فأعتقت رقبة مؤمنة تعويضًا عنه. وإلا لكفى عتق رقبة إطلاقًا دون شرط الإيمان..

وقد ورد أن النبي- صلى الله عليه وسلم- ودى بعض القتلى من المعاهدين: ولكن لم يرد عتق رقاب مؤمنة بعددهم. مما يدل على أن الواجب في هذه الحالة هو الدية. وأن هذا ثبت بعمل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لا بهذه الآية. وأن الحالات التي تتناولها هذه الآية كلها هي حالات وقوع القتل على مؤمن. سواء كان من قوم مؤمنين في دار الإسلام، أو من قوم محاربين عدو للمسلمين في دار الحرب، أو من قوم بينهم وبين المسلمين ميثاق.. ميثاق هدنة أو ذمة.. وهذا هو الأظهر في السياق.

ذلك القتل الخطأ. فأما القتل العمد، فهو الكبيرة التي لا ترتكب مع إيمان والتي لا تكفر عنها دية ولا عتق رقبة وإنما يؤكل جزاؤها إلى عذاب الله:

«وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها، وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ. وَأَعَدَّ لَهُ عَذابًا عَظِيمًا» ..

إنها جريمة قتل لا لنفس فحسب- بغير حق- ولكنها كذلك جريمة قتل للوشيجة العزيزة الحبيبة الكريمة العظيمة، التي أنشأها الله بين المسلم والمسلم. إنها تنكر للإيمان ذاته وللعقيدة نفسها.

ومن ثم قرنت بالشرك في مواضع كثيرة واتجه بعضهم- ومنهم ابن عباس- إلى أنه لا توبة منها.. ولكن البعض الآخر استند إلى قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ» .. فرجا للقاتل التائب المغفرة.. وفسر الخلود بأنه الدهر الطويل.

والذين تربوا في مدرسة الإسلام الأولى، كانوا يرون قاتلي آبائهم وأبنائهم وإخوانهم، - قبل إسلامهم- يمشون على الأرض- وقد دخلوا في الإسلام- فيهيج في نفوس بعضهم ما يهيج من المرارة. ولكنهم لا يفكرون في قتلهم. لا يفكرون مرة واحدة ولا يخطر لهم هذا الخاطر في أشد الحالات وجدًا ولذعًا ومرارة. بل إنهم لم يفكروا في إنقاصهم حقًا واحدًا من حقوقهم التي يخولها لهم الإسلام.

واحتراسًا من وقوع القتل ولو كان خطأ وتطهيرًا لقلوب المجاهدين حتى ما يكون فيها شيء إلا لله، وفي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت