«مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ، وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا» ..
فقد كانوا يعرفون طبيعة النفس البشرية ويعرفون أنها لا بد أن تعمل سوءًا. مهما صلحت، ومهما عملت من حسنات.
كانوا يعرفون النفس البشرية- كما هي في حقيقتها- وكانوا من ثم يعرفون أنفسهم.. لم يخدعوا أنفسهم عن حقيقتها ولم يخفوا عن أنفسهم سيئاتها ولم يتجاهلوا ما يعتور نفوسهم من ضعف أحيانًا، ولم ينكروا أو يغطوا هذا الضعف الذي يجدونه. ومن ثم ارتجفت نفوسهم، وهم يواجهون بأن كل سوء يعملونه يجزون به.
ارتجفت نفوسهم كالذي يواجه العاقبة فعلًا ويلامسها، وهذه كانت ميزتهم. أن يحسوا الآخرة على هذا النحو، ويعيشوا فيها فعلًا بمشاعرهم كأنهم فيها. لا كأنها آتية لا ريب فيها فحسب! ومن ثم كانت رجفتهم المزلزلة لهذا الوعيد الأكيد! قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن نمير، حدثنا إسماعيل، عن أبي بكر بن أبي زهير، قال: «أخبرت أن أبا بكر- رضي الله عنه- قال: «يا رسول الله، كيف الفلاح بعد هذه الآية؟ «لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ، مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ» .. فكل سوء عملناه جزينا به.. فقال النبي- صلى الله عليه وسلم-:
«غفر الله لك يا أبا بكر. ألست تمرض؟ ألست تنصب؟ ألست تحزن؟ ألست تصيبك اللأواء؟» قال بلى! قال: «فهو مما تجزون به» .. ورواه الحاكم عن طريق سفيان الثوري عن إسماعيل.
وروى أبو بكر بن مردويه- بإسناده- إلى ابن عمر، يحدث عن أبي بكر الصديق. قال: كنت عند النبي- صلى الله عليه وسلم- فنزلت هذه الآية: «مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ، وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا» فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «يا أبا بكر، ألا أقرئك آية نزلت علي؟» قال: قلت يا رسول الله فأقرأنيها.. فلا أعلم أني قد وجدت انفصامًا في ظهري، حتى تمطيت لها! فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «مالك يأ أبا بكر؟» فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! وأينا لم يعمل السوء، وإنا لمجزيون بكل سوء عملناه! فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-. «أما أنت يا أبا بكر وأصحابك المؤمنون فإنكم تجزون بذلك في الدنيا، حتى تلقوا الله ليس لكم ذنوب. وأما الآخرون فيجمع ذلك لهم حتى يجزوا به يوم القيامة» . (وكذا رواه الترمذي) .
وروى ابن أبى حاتم- بإسناده- عن عائشة قالت: قلت يا رسول الله إني لأعلم أشد آية في القرآن. فقال:
«ما هي يا عائشة؟» قلت: «من يعمل سوءًا يجز به» فقال. «ما يصيب العبد المؤمن، حتى النكبة ينكبها» .
(ورواه ابن جرير) .
وروى مسلم والترمذي والنسائي من حديث سفيان بن عيينة- بإسناده- عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: لما نزلت: «مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ» شق ذلك على المسلمين فقال لهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم-:
«سددوا وقاربوا فإن في كل ما يصاب به المسلم كفارة. حتى الشوكة يشاكها والنكبة ينكبها» ..
على أية حال لقد كانت هذه حلقة في إنشاء التصور الإيماني الصحيح عن العمل والجزاء. ذات أهمية كبرى في استقامة التصور من ناحية، واستقامة الواقع العملي من ناحية أخرى. ولقد هزت هذه الآية كيانهم، ورجفت لها نفوسهم، لأنهم كانوا يأخذون الأمر جدًا. ويعرفون صدق وعد الله حقًا. ويعيشون هذا الوعد ويعيشون الآخرة وهم بعد في الدنيا.
وفي الختام يجيء التعقيب على قضية العمل والجزاء، وقضية الشرك قبلها والإيمان، برد كل ما في السماوات