لقد كان هذا القرآن ينشئ أمة جديدة. ينشئها من المجموعات المسلمة التي التقطها الإسلام من سفوح الجاهلية التي كانت تهيم فيها ليأخذ بيدها في المرتقى الصاعد، إلى القمة السامقة وليسلمها- بعد أن تكمل نشأتها- قيادة البشرية ويحدد لها دورها الضخم في هذه القيادة..
ومن بين عوامل البناء تطهير ضمائر هذه الجماعة وتطهير جو المجتمع الذي تعيش فيه ورفع المستوى الخلقي والنفسي الذي تستوي عليه.
وحينما بلغت تلك الجماعة هذا المستوى تفوقت في أخلاقها الفردية والاجتماعية بقدر تفوقها في تصورها الاعتقادي على سائر أهل الأرض.. وعندئذ صنع الله بها في الأرض ما قدر أن يصنعه وأقامها حارسة لدينه ومنهجه وقائدة للبشرية الضالة إلى النور والهدى وأمينة على قيادة البشرية وإرشادها..
وحينما تفوقت في هذه الخصائص تفوقت على كل أهل الأرض فكانت قيادتها للبشرية أمرًا طبيعيًا وفطريًا وقائمًا على أسسه الصحيحة.. ومن هذا الوضع الممتاز تفوقت كذلك في العلم والحضارة والاقتصاد والسياسة.. وكان هذا التفوق الأخير ثمرة للتفوق الأول في المستوى الاعتقادي والأخلاقي. وهذه هي سنة الله في الأفراد والجماعات.
وطرف من هذا التطهير للنفس والمجتمع يتمثل في هاتين الآيتين:
«لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ- إِلَّا مَنْ ظُلِمَ- وَكانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا. إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ، فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا» ..
إن المجتمع شديد الحساسية، وفي حاجة إلى آداب اجتماعية تتفق مع هذه الحساسية. ورب كلمة عابرة لا يحسب قائلها حسابًا لما وراءها ورب شائعة عابرة لم يرد قائلها بها إلا فردًا من الناس.. ولكن هذه وتلك تترك في نفسية المجتمع وفي أخلاقه وفي تقاليده وفي جوه آثارًا مدمرة وتتجاوز الفرد المقصود إلى الجماعة الكبيرة.
والجهر بالسوء من القول- في أية صورة من صوره- سهل على اللسان ما لم يكن هناك تحرج في الضمير وتقوى لله. وشيوع هذا السوء كثيرًا ما يترك آثارًا عميقة في ضمير المجتمع.. كثيرًا ما يدمر الثقة المتبادلة